أبي منصور الماتريدي
304
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : يُفَصِّلُ الْآياتِ يحتمل : يبين الحجج والبراهين . ويحتمل : يُفَصِّلُ الْآياتِ أي : آيات القرآن أنزلها بالتفاريق ؛ لا مجموعة . لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ . هو ما ذكرنا أن فيما ذكر من الآيات والتدبير ؛ ورفع السماء بلا عمد ؛ دلالة البعث والإحياء بعد الموت . وقوله - عزّ وجل - : بِلِقاءِ رَبِّكُمْ هو كما ذكرنا في قوله : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً [ يونس : 3 ] ومصيرهم وبروزهم ؛ وأمثاله . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وقال في آية أخرى : وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذلِكَ دَحاها [ النازعات : 30 ] وقال في موضع آخر : وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ [ الغاشية : 20 ] وكله « 1 » واحد ، وقال : الْأَرْضَ فِراشاً [ البقرة : 22 ] و مِهاداً [ النبأ : 6 ] . يذكرهم نعمه التي أنعمها عليهم . مَدَّ الْأَرْضَ أي : بسطها وجعل فيها رواسي ؛ ذكر أنها بسطت على الماء ؛ فكانت تكفو بأهلها وتضطرب ؛ كما تكفو السفينة ؛ فأرساها بالجبال الثّقال ؛ فاستقرت وثبتت . وذكر أنها مدت وبسطت على الهواء ؛ ثم أثبتها بما ذكر من الجبال ، ولكن لو [ كان أنها ] « 2 » ما ذكر ؛ لكان يجيء ألا يكون بالجبال ثباتها واستقرارها ؛ لأن الأرض والجبال من طبعها التسفل والانحدار في الماء والهواء ؛ وكلما زيد من ذلك النوع كان في التسفل والانحدار أكثر وأزيد ، فلا يكون بها الثبات والاستقرار ؛ بل إنما يكون الثبات والاستقرار بشيء من طبعه العلو والارتفاع ؛ فيمنع ذلك الشيء الذي من طبعه العلو عن التسفل والانحدار ؛ إلا أن يقال : إنها كانت لا تتسفل ولا تتسرب ؛ ولكن تضطرب وتميد بأهلها ؛ على ما ذكره - عزّ وجل - : وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [ الأنبياء : 31 ] فإن كان
--> - الوحي ، وبعث الرسل وتكليف العباد ، وفيه دليل عجيب على كمال القدرة والرحمة ؛ لأن هذا العالم من أعلى العرش إلى أطباق الثرى يحتوي على أجناس ، وأنواع لا يحيط بها إلا الله تعالى . والدليل المذكور على تدبير كل واحد بوصفه في موضعه وطبيعته ، ومن المعلوم أن من اشتغل بتدبير شيء فإنه لا يمكنه تدبير شيء آخر ، فإنه لا يشغله شأن عن شأن ، وإذا تأمل العاقل في هذه الآية علم أنه - تعالى - يدبر عالم الأجسام ويدبر عالم الأرواح ، ويدبر الكبير كما يدبر الصغير ، ولا يشغله شأن عن شأن ، ولا يمنعه تدبير عن تدبير ، وذلك يدل على أنه - تعالى - في ذاته وصفاته وعلمه وقدرته غير مشابه للمخلوقات ، والممكنات . ينظر : اللباب ( 11 / 239 ، 240 ) . ( 1 ) في ب : والكل . ( 2 ) سقط في ب .