أبي منصور الماتريدي
278
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
لم يمت وهو ما ذكر « 1 » ؛ أنه كان يعلم من الله ما لا يعلمون هم . ويشبه أن يكون قوله : أعلم من الله ؛ أي : أنتفع بعلمي ما لا تنتفعون أنتم ، وأصله : أن إخوة يوسف لو علموا أن أمر يوسف يبلغ ما بلغ من الملك والعز - ما قصدوا قصد تغييبه عن والده ، ولا سعوا فيه فيما سعوا من إفساد أمره ، لكنهم لم يعلموا والله أعلم - أو علم من الله شيئا لم يبين ما لا يعلمون هم ؛ كقول إبراهيم [ . . . ] « 2 » ، وما ذكر أهل التأويل : أن يعقوب قال : كذا ؛ من النياح على يوسف والجزع عليه ؛ لا يحتمل ذلك ؛ لأنه قال - حين أخبروه بذلك - : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وما ذكروا هم منه ليس هو بصير ؛ فضلا أن يكون جميلا . وقوله : يا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ . قال أهل التأويل : تحسسوا : اطلبوه واستخبروا عنه وعن أخيه « 3 » ، لكن غير هذا كأنه أقرب ؛ وهو من وقوع الحس عليه ؛ كأنه قال : اذهبوا فانظروا إليه وإلى أخيه ؛ لأنهم إن لم يكونوا يعلمون أن يوسف أين هو - فلقد كانوا يعلمون من « 4 » حال أخيه بنيامين أنه أين هو ؛ فلو كان على الطلب والبحث والاستخبار ؛ على ما قاله أهل التأويل ؛ إن احتمل في يوسف فذلك لا يحتمل في أخيه ؛ إذ هم كانوا يعلمون مكانه وأين هو ؛ وإن كانوا لا يعلمون مكان يوسف ولا أين « 5 » هو ، وهو إنما أمرهم أن يتحسسوا عنهما جميعا ؛ فدل - والله أعلم - أنه من وقوع الحسّ والبصر عليهما ؛ لا من البحث والطلب - والله أعلم - فكأنه علم بالوحي أنه هنالك وأخوه معه ، لكنه لم يخبر بنيه أنه هنالك ؛ لما علم أنهم يتكاسلون ويتثاقلون عن الذهاب إليه ؛ فإنما أمرهم بذلك أمر تعريض لا أمر تصريح . أو أن يكون قوله : فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ على الإضمار ؛ أي : تحسسوا من يوسف واسألوا منه ردّ أخيه ؛ لما علم أن أخاه يكون معه . وقال عامة أهل التأويل : إنما قال لهم هذا ؛ وعلم أنه في الأحياء ؛ لأنه رأى ملك الموت ؛ فقال له : هل قبضت روح يوسف مما قبضت من الأرواح ؟ قال : لا « 6 » .
--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 2 / 445 ) . ( 2 ) بياض في ب . ( 3 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 446 ) . ( 4 ) في ب : عن . ( 5 ) في ب : وأين . ( 6 ) ذكره السيوطي في الدر ( 4 / 61 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن النصر بن عربي ، وكذا ذكره البغوي ( 2 / 445 ) .