أبي منصور الماتريدي
273
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وأما أهل التأويل الأول يقولون : إن قوله : ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ ليس على الأمر ؛ ولكن إذا رجعتم إلى أبيكم ؛ فقولوا : إن ابنك سرق وكذلك يخرج قوله : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيها وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنا فِيها ليس على الأمر ؛ ولكن لو سألت أهل القرية وأهل العير ؛ لأخبروك أنه كما قلنا ؛ فعلى ذلك قوله : ارْجِعُوا ليس على الأمر ؛ ولكن لو رجعتم إليه ؛ فقولوا كذا . وقوله عزّ وجل - : وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ . أي : من قبل ما ضيعتم أمر أبيكم في يوسف ؛ أو ضيعتم أمر الله ووعده في يوسف . فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي . [ هذا يحتمل وجهين : يحتمل حتى يأذن لي أبي بالرجوع إليه ؛ إذا ظهر عنده عذرنا وصدقنا في أمر ابنه أو يأذن لي أبي ] « 1 » بالمنازعة في القتال مع الملك حتى أستنقذ أخي وأستخلصه منه . أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي في الرجوع أيضا أو في القتال معه . وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أو يحكم الله لي بإظهار عذرنا وصدقنا عند أبينا . وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ في إظهار العذر ؛ لأنه إذا حكم بإظهار العذر ظهر ذلك في الخلق جميعا ، ولا كذلك حكم غيره ؛ لأن كل من يحكم بحكم ؛ يجوز إنما يحكم بحكم ؛ هو حكم الله ؛ فهو خير الحاكمين وكذلك قوله : وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ يوسف : 64 ] لأن « 2 » من رحم من الخلق ؛ إنما يرحم برحمته ؛ فهو أرحم الراحمين . وقوله - عزّ وجل - : ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ . يحتمل على الأمر ؛ على ما هو [ في ] « 3 » الظاهر . ويحتمل ما ذكرنا ؛ أي : لو رجعتم إليه ؛ فقولوا : يا أبانا إن ابنك سرق يشبه أن يكون هذا منه تعريضا في التخطئة ؛ على ما كان يؤثره على غيره من الأولاد ؛ أي الذي كنت تؤثره علينا بالمحبة وميل القلب إليه - قد سرق ، ويشبه أن يكون ليس على التعريض ؛ ولكن على الإخبار ؛ على ما ظهر عندهم من ظاهر الأمر . وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا بما أخرج المتاع من وعائه . وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : لأنه . ( 3 ) سقط في ب .