أبي منصور الماتريدي

268

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والثالث : أنكم تروننا صوّامين قوامين ؛ ومن هذا فعله ورأيه فإنه لا يتهم بالسرقة . أو أن يكون قوله : لَقَدْ عَلِمْتُمْ ما جِئْنا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ لما رأوهم دخلوا من أبواب متفرقة ، ولو كانوا سراقا لدخلوا مجموعين ؛ لأن عادة السّراق الاجتماع لا التفرق . ثم قالوا : فَما جَزاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كاذِبِينَ . أي : إن كان فيكم من يكذب ويظهر ذلك منه ؛ فما جزاؤه ؟ . قالُوا جَزاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزاؤُهُ . هذا يحتمل وجهين : يحتمل قوله : فَهُوَ جَزاؤُهُ أي يصير رقيقا مملوكا بها له ، أو يصير محبوسا بها عنده . والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ . ظاهر هذا الكلام : أن يكون يوسف هو الذي فتش أوعيتهم ، وطلب ذلك فيها ؛ حيث نسب ذلك إليه بقوله : قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ . لكنه نسب إليه ؛ لمّا بأمره فتّش ؛ إذ الملوك لا يتولون « 1 » ذلك بأنفسهم وفيه أنه قد فصل بينهم وبين بنيامين ؛ حيث سمّى هذا أخاه ، ولم يسم أولئك ؛ بقوله : فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعاءِ أَخِيهِ ، وهو يخرج على وجهين : أحدهما : أنه قد ذكر لهذا أنه أخوه ؛ حيث قال له : إِنِّي أَنَا أَخُوكَ [ يوسف : 69 ] ؛ ولم يذكر لأولئك فسمى هذا أخا له ، ونسب إليه بالأخوة ؛ لما كان ذكر له ، ولم يسم أولئك ؛ لما لم يذكر لهم أنه أخوهم . والثاني : أنه لم يكن لهذا - أعني بنيامين لمكان يوسف - سوء صنيع ، ولا شر ، بل هو على الأخوة والصداقة التي كانت بينه وبينه . وأمّا أولئك - أعني غيره من الإخوة - فقد كان منهم إليه ما كان من سوء صنيعهم ، وقبح فعالهم ؛ فيخرج ذلك مخرج التبري من الإخوة بسوء ما كان منهم إليه ؛ وهو [ كقوله لنوح ] « 2 » - عليه السلام - حين قال : إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ نفى أن يكون من أهله ؛ بسوء عمله وفعله ؛ غير صالح . فعلى ذلك الأول يشبه أن يكون على هذا . والله أعلم .

--> ( 1 ) في أ : يأتون . ( 2 ) في ب : كقول نوح .