أبي منصور الماتريدي

264

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

والحذر هو العادة في الخلق ، والتوكل : تفويض الأمر إلى الله ، والاعتماد عليه . والله أعلم . وقوله : وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ من أبواب متفرقة . ما كانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ . أي : ما كان يدفع ذلك عنهم ما حكم الله عليهم أنه يصيبهم . وقوله - عزّ وجل - : إِلَّا حاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضاها . الحاجة في النفس : أحد شيئين : إما الرغبة ، وإما الرهبة ؛ كقوله : وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً فعلى ذلك حاجة يعقوب ، لا تخلو : إما أن كانت رغبة منه ؛ في تفرقهم ، أو رهبة في اجتماعهم ؛ قضى تلك الحاجة . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ . يشبه أن يكون هذا صلة ما قال يعقوب لبنيه : لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ أي : وإنه لذو علم لما أمرهم بالدخول على التفرق ؛ والنهي عن الاجتماع . وقوله : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ . ما أراد بقوله : لا تَدْخُلُوا مِنْ بابٍ واحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوابٍ مُتَفَرِّقَةٍ . وعن ابن عباس رضي الله عنهما : وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ : من السكك المتفرقة ، ما كان يغني عنهم من قضاء الله شيئا إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها ، يقول : بدأها فتكلم بها . وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ يقول : حافظا لما علمناه « 1 » ، وقيل : حافظا له ؛ عالما به ، وقيل : لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي : عمل بجميع ما علم وانتفع به ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لم ينتفعوا بما علموا . ويحتمل : وإنه لذو علم بقصة « 2 » يوسف من أولها إلى آخرها ؛ كما « 3 » أخبرناه وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ذلك . وجائز أن يكون قوله : وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِما عَلَّمْناهُ أي : ما أصابه من الحزن « 4 » ؛ بذهاب يوسف وأخيه ، وما أصابه من الشدة والنكبة لم يؤثر ذلك في علمه الذي علمناه ، وإن أثر ذلك في نفسه وبدنه ، أي علمه بما علمناه بعد ما أصابه ما أصابه ؛ كهو ما كان قبل ذلك ،

--> ( 1 ) ذكره البغوي في تفسيره ( 2 / 438 ) ، وكذا الرازي ( 18 / 141 ) . ( 2 ) في ب : بقصته . ( 3 ) في ب : لما . ( 4 ) في أ : الخوف .