أبي منصور الماتريدي
253
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ليعلم الملك أني لم أخنه بالغيب ؛ في أهله إذا غاب عني « 1 » ؛ ردّا لقولها : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً وتصديقا لقوله ؛ حيث قال : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [ يوسف : 26 ] . وقال بعض أهل التأويل : ذلك ليعلم الله أني لم أخنه ؛ يعني الزوج بالغيب « 2 » ، لكن هذا بعيد ، إنه قد علم يوسف أن الله قد علم أنه لم يخنه بالغيب . وقول أهل التأويل لما قال يوسف : لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ قال له الملك : ولا حين هممت ما هممت ؟ فقال : وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ : هذا مما لا نعلمه « 3 » . وقد ذكرنا التأويل في قوله : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها [ يوسف : 24 ] ما يحل ويسع أن يتكلم به ، وفساد تأويل أهل التأويل من الوجوه التي ذكرنا .
--> ( 1 ) دلت هذه الآية على طهارة يوسف - صلوات الله وسلامه عليه - من الذنب من وجوه : الأول : أن الملك لما أرسل إلى يوسف - صلوات الله وسلامه عليه - وطلبه ، فلو كان يوسف متّهما بفعل قبيح ، وقد كان صدر منه ذنب ، وفحاش - لاستحال بحسب العرف والعادة ، أن يطلب من الملك أن يفحص عن تلك الواقعة ، وكان ذلك سعيا منه في فضيحة نفسه ، وفي حمل الأعداء على أن يبالغوا في إظهار عيوبه . والثاني : أن النسوة شهدن في المرة الأولى بطهارته ، ونزاهته وَقُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما هذا بَشَراً إِنْ هذا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ ، وفي المرة الثانية : قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ . والثالث : أن امرأة العزيز اعترفت في المرة الأولى بطهارته ، حيث قالت : وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ ، وفي المرأة الثانية قولها : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ ، وهذا إشارة إلى أنه صادق في قوله : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي . والرابع : قول يوسف ذلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ . قال ابن الخطيب : والحشويّة يذكرون أنه لما قال هذا الكلام ، قال جبريل - عليه السلام - : ولا حين هممت . وهذا من روايتهم الخبيثة ، وما صحت هذه الرواية في كتاب معتمد ، بل هم يلحقونها بهذا الموضع سعيا منهم في تحريف ظاهر القرآن . والخامس : قوله : وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي كَيْدَ الْخائِنِينَ ، يقتضي أن الخائن لا بد أن يفتضح ؛ فلو كان خائنا لوجب أن يفتضح ، ولمّا خلصه الله من هذه الورطة ، دل ذلك على أنه لم يكن من الخائنين . ينظر : اللباب ( 11 / 130 ، 131 ) . ( 2 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 7 / 235 ، 236 ) عن كل من : مجاهد ( 19430 ) ، وأبي صالح ( 19433 ) ، والضحاك ( 19434 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 43 ) وزاد نسبته لابن عبيد وابن المنذر عن مجاهد ، ولابن المنذر وأبي الشيخ عن أبي صالح . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 237 ، 239 ) عن كل من : ابن عباس ( 19435 ، 19436 ، 19437 ) ، وسعيد ابن جبير ( 19438 ، 19440 ، 19443 ) ، وأبي الهذيل ( 19441 ، 19442 ) ، والحسن ( 19444 ، 19445 ) ، وأبي صالح ( 19446 ، 19447 ) ، وقتادة ( 19448 ، 19449 ) ، وعكرمة ( 19450 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 43 ) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ عن أبي صالح ، ولابن المنذر عن الحسن وابن جبير ، ولابن المنذر وعبد بن حميد عن مجاهد ، ولابن أبي حاتم عن قتادة .