أبي منصور الماتريدي
248
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل قوله : وَما نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلامِ بِعالِمِينَ لها تأويل ، ولكن نحن لا نعلمها « 1 » ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَقالَ الَّذِي نَجا مِنْهُما . من الهلاك ، وهو الساقي الذي ذكر . وقوله - عزّ وجل - : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ . أي : تذكر بعد أمّة ، قال الأمّة - هاهنا - : الحين ، أي : ذكر بعد حين ووقت ؛ كقوله تعالى : وَلَئِنْ أَخَّرْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِلى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ [ هود : 8 ] قيل : حين ووقت معدود « 2 » ، وقال الحسن : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي : بعد أمّة من الناس « 3 » . ويقرأ بعد أمه قال أبو عوسجة : الأمة : النسيان والسهو ؛ أي : تذكر بعد نسيان وسهو ؛ كقوله : فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ [ يوسف : 42 ] يقال منه في الكلام : أمه يأمه أمها ؛ فهو آمه ، وأمه ؛ أي : نسي . والأمة : من الأمم والقرون التي مضت . والأمة : النعمة ، والأمم جمع . والأمة أيضا : الدّين والسّنة ؛ كقوله تعالى : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ [ الزخرف : 23 ] أي : على دين .
--> ( 1 ) اعلم أنه - سبحانه وتعالى - جعل هذه الرؤيا سببا لخلاص يوسف - صلوات الله وسلامه عليه - من السجن ؛ وذلك أن الملك لما رأى ذلك ، قلق واضطرب بسببه ؛ لأنه شاهد أن الناقص الضعيف استولى على الكامل ؛ فشهدت فطرته بأن هذا أمر عداوة وقدر بنوع من أنواع الشر ، إلا أنه ما عرف كيفية الحال فيه . والشيء إذا صار معلوما من وجه ، وبقي مجهولا من وجه آخر - عظم شوق النفس إلى تمام تلك المعرفة ، وقويت المعرفة في إتمام الناقص ، لا سيما إذا كان الإنسان عظيم الشأن واسع المملكة ، وكان ذلك الشيء دالّا على الشر من بعض الوجوه ، فبهذا الطريق قوّى الله داعية ذلك الملك في تحصيل العلم بتفسير هذه الرؤيا ، وأنه - تعالى - عجّز المعبّرين الحاضرين عن جواب هذه المسألة ؛ ليصير ذلك سببا لخلاص يوسف - عليه الصلاة والسلام - من تلك المحنة . واعلم أن القوم ما نفوا عن أنفسهم كونهم عالمين بعلم التعبير ؛ بل قالوا : إن علم التعبير على قسمين : منه ما يكون الرؤيا فيه منتظمة ؛ فيسهل الانتقال من الأمور المتخيلة إلى الحقائق العقلية . ومنه ما يكون مختلطا مضطربا ، ولا يكون فيه ترتيب معلوم ، وهو المسمى بالأضغاث . ينظر اللباب ( 11 / 118 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 227 ) ( 19354 ، 19355 ، 19356 ) وذكره السيوطي في الدر ( 4 / 39 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن الحسن .