أبي منصور الماتريدي

246

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : إِنِّي أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ سِمانٍ . أما البقرات : هي السنون ، والسمان : هي المخصبات الواسعات . يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجافٌ . العجاف : هي المجدبات . وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ . السنبلات : سنبلات ، وخضر : عبارة عما يحصد . وَأُخَرَ يابِساتٍ . عبارة عما لا يحصد أي : لا يكون فيه ما يحصد . فيه دلالة أن في الرؤيا ما يكون مصرحا مشارا إليه يعلم بالبديهة ، ومنها ما يكون كناية مبهما غير مفسر ؛ لا يعلم إلا بالنظر فيها والتفكر « 1 » والتأمل ؛ لأنه قال : أَرى سَبْعَ بَقَراتٍ ، وسبع : هو سبع لا غير ، وبقرات : هن كناية عن السنين ، وسمان : كناية عن الخصب والسعة ، يأكلهن على حقيقة الأكل لا غير . وكذلك سَبْعٌ عِجافٌ السبع : هو سبع ، والعجاف : كناية عن الشدة والجدب ، وسبع سنبلات : هنّ عين السنبلات ، وخضر : هن كناية عما يحصد ، ويابسات : كناية عما لا يكون فيه ما يحصد . ففيه : أن من الخطاب ما لا يكون مصرحا مبينا مشارا إليه ؛ يفهم المراد منه بالبديهة وقت قرع الخطاب السمع ، ومنه ما يكون مبهما غير مفسر ؛ فهو على وجهين : منه ما يفهم بالنظر فيه والتفكر . والثاني : لا يفهم بالبديهة ولا بالنظر فيه والتفكر ، إلا ببيان يقرن به سوى ذلك ، على هذا تخرج المخاطبات فيما بين الله وبين الخلق والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ . خاطب الأشراف من قومه والعلماء بقوله : يا أَيُّهَا الْمَلَأُ على ما ذكرنا فيما تقدم أن الملأ : هو اسم للأشراف منهم والرؤساء ، وهكذا العادة في الملوك ؛ أنهم إذا خاطبوا إنما يخاطبون أعقلهم وأعظمهم منزلة عندهم وأكرم مثواهم . دلّ قوله : أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ أنه إنما رأى ذلك في المنام والله أعلم . وقوله : أَفْتُونِي فِي رُءْيايَ . . . الآية .

--> ( 1 ) في ب : الفكر .