أبي منصور الماتريدي

230

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وفي قوله : إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فهو كذا وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فهو من كذا - دلائل يستدل بها لمسائل لأصحابنا ؛ من ذلك قولهم في حانوت فيه لؤلؤ وإهاب تنازع فيه دباغ ولؤلؤي ، فإنه يقضي باليد لكل واحد منهما في ذلك للؤلؤي باللؤلؤ وللدباغ بالإهاب باليد ؛ يستدل بغالب الأمر وظاهر اليد ؛ على ما قضى عليها بالمراودة بتمزق القميص من دبر ، وأمثال هذا مسائل يكثر عددها يقضى [ فيها ] بالدلالة الغالبة ، وإن كان يجوز في الحقيقة على خلاف الظاهر . وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يشبه أن يكون كيدها أنها لما راودته عن نفسه وأمنته على إظهار ذلك وإفشائه عليه ، فأفشت عليه ذلك ؛ حيث أبي إجابتها ، فقالت : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً ذلك القول منها من كيدهن ، وأصل الكيد والمكر هو الأخذ على الأمن ، والله أعلم . وفي الآية دلائل لقول أصحابنا في المتاع يختلف فيه الزوجان : فإن كان من متاع الرجال فهو في يد الرجل ، وإن كان من متاع النساء فهو في يد المرأة في قول أبي يوسف ومحمد . وقوله - عزّ وجل - : يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا . يحتمل قوله : أَعْرِضْ عَنْ هذا ، أي : عن قوله : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي . ويشبه أن يكون قوله : أَعْرِضْ عَنْ هذا : عن جميع ما كان بينهما ؛ أي : استر عليها ، ولا تهتك عليها سترها . وقوله - عزّ وجل - : وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ . قال ليوسف ذلك القائل : أَعْرِضْ عَنْ هذا ، وقال للمرأة : وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ ، لما ظهر عنده أنها هي التي راودته ودعته إلى نفسها . ثم اختلف في قائل « 1 » هذا القول ؛ قال بعضهم : هو زوجها ؛ قال ليوسف : أعرض عن هذا ، ولا تهتك عليها سترها ، لكنهم قالوا : إنه كان قليل الغيرة . وقال بعضهم : ذلك القائل هو رجل آخر هو ابن عم لها ؛ وهذا أشبه « 2 » . وقوله : وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ . قال بعضهم : قال هذا لها ؛ لأنهم وإن كانوا يعبدون الأصنام فإنما يعبدونها ليقربوهم

--> ( 1 ) في أ : تأويل . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 195 ) ( 19146 ) عن ابن زيد ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 27 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم عن ابن زيد .