أبي منصور الماتريدي

228

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إليه وإبداء الشفقة له ، فهذا يدل على ما ذكرنا من كون الإرادة مع الفعل ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي . أي : دعتني ، والمراودة قد ذكرنا أنها هي الدعوة ؛ كقوله : سَنُراوِدُ عَنْهُ أَباهُ أي : سندعوه منه ونطلبه . فإن قيل : كيف هتك سترها بقوله : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي ؟ قيل : ليس فيه هتك الستر عليها ؛ بل فيه نفي العيب والطعن عن نفسه ، فالواجب على المرء أن ينفي العيب وما يشينه عن نفسه على ما فعل يوسف . وقوله - عزّ وجل - : وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ من كذا فهو كذا ، وإن كان كذا فهو كذا من كذا . قال بعض أهل التأويل : ذلك الشاهد هو ابن عم لها رجل حليم يقال كذا « 1 » . وقال بعضهم : شق القميص من دبر هو الشاهد « 2 » ، وأمثاله ؛ لكن هذا لا يعلم من كان ذلك الشاهد . وقيل : صبي في المهد « 3 » .

--> ( 1 ) انظر تفسير البغوي ( 2 / 422 ) ، البحر المحيط لأبي حيان ( 5 / 297 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 26 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن زيد بن أسلم . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 193 ) ( 19140 و 19141 و 19142 و 19143 ) عن مجاهد . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 26 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن مجاهد . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 191 ، 192 ) عن كل من : سعيد بن جبير ( 19111 ، 19115 ) ، وهلال بن يساف ( 19116 ) ، والضحاك ( 19117 ، 19119 ) ، وابن عباس ( 19120 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 26 ) وزاد نسبته لابن أبي شيبة وابن المنذر وأبي الشيخ عن سعيد ابن جبير ، ولأبى الشيخ عن الضحاك ، ولابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس . وأيضا : فكل من كان له تعلق بهذه الواقعة ، فقد شهد ببراءة يوسف - عليه الصلاة والسلام - عن المعصية والذين لهم تعلق بهذه الواقعة : يوسف والمرأة وزوجها ، والنسوة الشهود ، ورب العالم ، وإبليس : فأما يوسف - صلوات الله وسلامه عليه - فادعى أن الذنب للمرأة ، وقال : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي [ يوسف : 26 ] و رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [ يوسف : 33 ] . وأما المرأة فاعترفت بذلك ، وقالت للنسوة : وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ [ يوسف : 32 ] وقالت : الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ [ يوسف : 51 ] . وأما زوج المرأة فقوله : إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ . يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ [ يوسف : 28 - 29 ] . وأما الشهود فقوله تعالى : وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ . . . [ يوسف : 26 ] . وأما شهادة الله تعالى بذلك فقوله : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : 24 ] فقد شهد الله - تعالى - في هذه الآية على طهارته أربع مرات : -