أبي منصور الماتريدي
224
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وفي بعض القراءات « 1 » : هَيْتَ لَكَ بالهمز ، ومعناه ما ذكرنا ؛ أي : تهيأت لك .
--> ( 1 ) قرأ نافع وابن ذكوان : هيت بكسر الهاء ، وسكون الياء ، وفتح التاء . وقرأ ابن كثير : هيت بفتح الهاء ، وسكون الياء ، وتاء مضمومة . وقرأ هشام هئت بكسر الهاء ، وهمزة ساكنة ، وتاء مفتوحة ، أو مضمومة . وقرأ الباقون : هيت بفتح الهاء ، وياء ساكنة ، وتاء مفتوحة . فهذه خمس قراءات في السبع . وقرأ ابن عباس ، وأبو الأسود ، والحسن ، وابن محيصن : بفتح الهاء ، وياء ساكنة وتاء مكسورة . وحكى النحاس : أنه قرئ بكسر الهاء والتاء بينهما ياء ساكنة . وقرأ ابن عباس - رضي الله عنهما - أيضا : هييت بضم الهاء ، وكسر الياء بعدها ياء ساكنة ثم تاء مضمومة بزنة « حييت » . وقرأ زيد بن علي ، وابن أبي إسحاق : بكسر الهاء ، وياء ساكنة ، وتاء مضمومة . فهذه أربع قراءات في الشاذ ؛ فصارت تسع قراءات . وقرأ السلمي ، وقتادة بكسر الهاء وضم التاء مهموزا ، يعنى : تهيأت لك ، وأنكره أبو عمرو ، والكسائي ، ولم يحك هذا عن العرب ؛ فيتعين كونها اسم فعل في غير قراءة ابن عباس هييت بزنة حييت ، وفي غير قراءة كسر الهاء ، سواء كان ذلك بالياء أم بالهمز ، فمن فتح التاء بناها على الفتح تخفيفا ، نحو : أين ، وكيف ، ومن ضمها - كابن كثير - شبهها ب « حيث » ، ومن كسر فعلى أصل التقاء الساكنين ك « جير » ، وفتح الهاء وكسرها لغتان ، ويتعين فعليتها في قراءة ابن عباس هييت بزنة : « حييت » فإنها فيها فعل ماض مبني للمفعول مسند لضمير المتكلم من : « هيئت الشيء » . ويحتمل الأمرين في قراءة من كسر الهاء وضم التاء ، فتحتمل أن تكون فيه اسم فعل بنيت على الضم ك « حيث » ، وأن تكون فعلا مسندا لضمير المتكلم ، من : هاء الرجل يهيئ ، ك « جاء يجيء » ، وله حينئذ معنيان : أحدهما : أن يكون بمعنى : حسنت هيئته . والثاني : أن يكون بمعنى : تهيأ ، يقال : هيئت ، أي : حسنت هيئتي ، أو تهيأت . وجوز أبو البقاء : أن تكون « هئت » هذه من : « هاء يهاء » ك « شاء يشاء » . وقد طعن جماعة على قراءة هشام التي بالهمز وفتح التاء ، فقال الفارسي : يشبه أن يكون الهمز وفتح التاء وهما من الراوي ؛ لأن الخطاب من المرأة ليوسف ، ولم يتهيأ لها ؛ بدليل قوله : وَراوَدَتْهُ ، و أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ ، وتابعه على ذلك جماعة . وقال مكي بن أبي طالب : يحب أن يكون اللفظ ( هئت لي ) أي : تهيأت لي ، ولم يقرأ بذلك أحد ، وأيضا : فإن المعنى على خلافه ؛ لأنه لم يزل يفر منها ، ويتباعد عنها ، وهي تراوده ، وتطلبه ، وتقد قميصه ، فكيف تخبر أنه تهيأ لها ؟ ! . وأجاب بعضهم عن هذين الإشكالين بأن المعنى : تهيأ أمرك ؛ لأنها لم تكن تقدر على الخلوة به في كل وقت ، أو يكون المعنى : حسنت هيئتك . و « لك » متعلق بمحذوف على سبيل البيان ، كأنها قالت : القول لك ، أو الخطاب لك ، كهي في « سقيا لك ورعيا لك » . قال شهاب الدين : واللام متعلقة بمحذوف على كل قراءة إلا قراءة ثبت فيها كونها فعلا ؛ فإنها حينئذ تتعلق بالفعل ؛ إذ لا حاجة إلى تقدير شيء آخر . وقال أبو البقاء : والأشبه أن تكون الهمزة بدلا من الياء ، أو تكون لغة في الكلمة التي هي اسم للفعل ، وليست فعلا ؛ لأن ذلك يوجب أن يكون الخطاب ليوسف - عليه الصلاة والسلام - وهو فاسد لوجهين : أحدهما : أنه لم يتهيأ لها ، وإنما هي تهيأت له . الثاني : أنه قال « لك » ، ولو أراد الخطاب لقال : هئت لي ، وتقدم جوابه . وقوله : إن الهمزة بدل من الياء - هذا عكس لغة العرب ؛ إذ قد عهدناهم يبدلون الهمزة الساكنة -