أبي منصور الماتريدي
22
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أي : لا أحد أظلم ممن افترى على الله كذبا . والثالث : يحتمل قوله : فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ فلم أسمع أحدا ادعى البعث ، ولا أقام حجة عليه ، وأنا قد ادعيت البعث وأقمت على ذلك حجة ، أفلا تعقلون هذا أني لم أخترع من عند نفسي ؟ ! وقوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ : يشبه أن هذا صلة « 1 » قوله : ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ أي كيف تطلبون مني إتيان غيره وتبديل أحكامه وقد تعرفون قبح الكذب وفحشه فكيف تسألونني الافتراء على الله وتكذيب آياته ؟ ويحتمل أن يكون صلة ما ادعوا عليه « 2 » أنه افتراه من [ عند ] « 3 » نفسه ؛ يقول : إنكم لم تأخذوني بكذب قط ، وقد لبثت فيكم عمرا فكيف تنسبوني إلى الكذب على الله ، وقد عرفتم قبح الكذب على الله وفحشه ؟ ! ويحتمل على الابتداء ثم قد ذكرنا أن قوله : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً استفهام ، فجوابه ما قاله أهل التأويل : لا أحد أبين ظلما ولا أفحاش ممن افترى على الله كذبا ؛ لا أن تفسيره ما قالوه ، وقد ذكرنا هذا في غير موضع . أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ : الافتراء على الله تكذيب بآياته ، وتكذيب آياته افتراء على الله . قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 18 إلى 20 ] وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَ تُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ ( 18 ) وَما كانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْ لا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 19 ) وَيَقُولُونَ لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ( 20 ) وقوله - عزّ وجل - : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ يحتمل وجهين :
--> ( 1 ) قال القرطبي : هذا استفهام بمعنى الجحد ، أي : لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب ، وبدل وأضاف شيئا إليه مما لم ينزل ، والمعنى : أن هذا القرآن لو لم يكن من عند الله ، لما كان أحد في الدنيا أظلم على نفسه مني ، حيث افتريته على الله ، ولما أقمت الدليل على أنه ليس الأمر كذلك ، بل هو وحي من الله - تعالى - وجب أن يقال : إنه ليس في الدنيا أحد أجهل ولا أظلم على نفسه منكم . والمقصود : نفي الكذب عن نفسه . ينظر تفسير القرطبي ( 8 / 205 ) . ( 2 ) في أ : إليه . ( 3 ) سقط في ب .