أبي منصور الماتريدي

218

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

على هذين الوجهين يخرج تأويل الآية ، وإلا لم يجز أن يكون نبي من الأنبياء يكذب من يعلم أنه صادق في خبره وقوله . فإن قيل في قوله : وَأَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ : كيف خاف ذلك وقد قال له يعقوب : وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ . . . الآية [ يوسف : 6 ] ؛ أنبأه أنه يجتبيه ويعلمه من تأويل الأحاديث ويتم [ عليه نعمته ] « 1 » ، فكيف خاف عليه أكل الذئب والضياع ، وذلك لا يحتمل أن يقول له إلا بعلم من الله والوحي إليه ؟ قيل : يحتمل أن يكون ما ذكر على شرط الخوف أنه يخاف مما ذكر فيكون له ما قال من الاجتباء ، وتعليم الأحاديث ، وإتمام النعمة عليه . أو خاف ذلك على ما خافوا جميعا على ما هم عليه من الدين وإن عصموا عما خافوا جميعا ؛ حيث قال إبراهيم : رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ [ إبراهيم : 35 ] ، ومعلوم أن إبراهيم لا يعبد الأصنام ، وقال يوسف : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ [ يوسف : 101 ] وأمثاله ، وهو ما ذكرنا في غير موضع أن العصمة لا تزيل الخوف ، ولا تؤمن عن ارتكاب مضاداته ؛ بل يزيد الخوف على ذلك الأخيار والأبرار ؛ كان خوفهم وإشفاقهم على دينهم أكثر من غيرهم ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ . قال بعضهم : أي : نشتد إلى الصيد « 2 » . وقال أبو عوسجة : نَسْتَبِقُ هذا من السباق ؛ أي : يعدون حتى ينظروا أيّهم يسبق « 3 » ؛ أي : يتقدم من صاحبه ويغلبه في العدو . وقال القتبي « 4 » : نَسْتَبِقُ ، أي : ننتضل « 5 » ، يسابق بعضنا بعضا في الرمي ؛ يقال : سابقته فسبقته ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَجاؤُ عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ . الدم لا يكون كذبا ، لكنه - والله أعلم - جاءوا على قميصه بدم قد كذبوا فيه أنه دم يوسف وأن الذئب أكله « 6 » ، ولم يكن .

--> ( 1 ) في ب : نعمته عليه . ( 2 ) ذكره البغوي بمعناه ( 2 / 414 ) ونسبه للسدى . ( 3 ) في ب : يستبق . ( 4 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 213 ) . ( 5 ) انظر تفسير البغوي ( 2 / 414 ) ، وابن جرير ( 7 / 159 ) ، والرازي ( 18 / 81 ) . ( 6 ) قال بعض العلماء - رضي الله عنهم - : لما أرادوا أن يجعلوا الدم علامة على صدقهم ، قرن الله بهذه العلامة تعارضها ، وهي سلامة القميص من التخريق ؛ إذ لا يمكن افتراس الذئب ليوسف وهو لابس