أبي منصور الماتريدي
205
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا قوله : أَنْزَلْناهُ : الهاء كناية عن الكتاب الذي تقدم ذكره . قُرْآناً عَرَبِيًّا أنزله بلسان العرب ، ولا ندري بأي لسان كان في اللوح المحفوظ ، غير أنه أخبر أنه أنزله بلسان العرب ، وهكذا كل كتاب أنزل إنما أنزل بلسان المنزل عليهم ، لم ينزل بغير لسانهم . وقوله - عزّ وجل - : لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ . ما لكم وما عليكم ، وما تأتون وما تتقون ، أو تعقلون أن هذه الأنباء التي يخبركم بها محمد صلى اللّه عليه وسلّم من الله - تعالى - لأنها كانت في كتبهم بغير لسانه ، فأخبر على ما كانت في كتبهم ؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى . أو لعلكم تعقلون بأن فيه شرفكم ؛ لأنكم تصيرون متبوعين لما يحتاج الناس إلى معرفة ما فيه ، ولا يوصل ذلك إلا بكم فتكونون متبوعين والناس أتباع لكم ؛ وهو كقوله : لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ [ الأنبياء : 10 ] ، قال أهل التأويل : أي : فيه شرفكم ، والله أعلم . قوله تعالى : [ سورة يوسف ( 12 ) : الآيات 3 إلى 6 ] نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ ( 3 ) إِذْ قالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ ( 4 ) قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطانَ لِلْإِنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 5 ) وَكَذلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أَتَمَّها عَلى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْراهِيمَ وَإِسْحاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 6 ) وقوله - عزّ وجل - : نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ . قال بعضهم : قوله : نَقُصُّ عَلَيْكَ ، أي : نبين عليك أحسن البيان بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ . وقال بعضهم : نَقُصُّ عَلَيْكَ أي : نخبرك أحسن ما في كتبهم من القصص ، وأحسن ما في كتبهم من الأنباء والأحاديث . وقوله : أَحْسَنَ الْقَصَصِ : أصدقه ، وكذلك قوله اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً [ الزمر : 23 ] ، وأحسن الحديث : أصدقه وأحسن القصص « 1 » ؛ أي : أصدقه . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ أي : وقد كنتم من قبله لَمِنَ الْغافِلِينَ .
--> ( 1 ) قال القرطبي : وذكر العلماء لكون هذه القصة أحسن القصص وجوها : أحدها : أنه ليست قصة في القرآن تتضمن من العبر والحكم ما تتضمن هذه القصة ؛ لقوله تعالى في آخرها : لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ [ يوسف : 111 ] . -