أبي منصور الماتريدي

198

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يشأ ، فكان عندهم ، فهو كمن ظهر عجزه بجميع أدلة العجز ، ثم يدع أن له القدرة بها ، يقهر ما يشاء ، فذلك كمن لا يقوم للانتصاب والنهوض فيدع أنه يقدر على الصعود ، أو من لا يملك إمساك مثل ذرة أنه ممسك السماوات والأرض . على أنه لو كان كذلك ليجيء أن يكون يقدر على فعل الكفر والسفه والكذب ، إذ من يقدر على فعل شيء « 1 » لا يقدر على فعل ضده عندهم ليس ذلك بقدرة . ثم لو كان ذلك كله بلا غير ، يصير له فعلا ، فكان يكون في الحقيقة سفيها كذوبا ، ومن كان ذلك وصفه فهو غير رب ولا حكيم ، ومن ربوبيته تحت قدرة غيره أو حكمته تحتمل المضادات ، فهو مسؤول عما يفعل ، مطالب بالحجج « 2 » ، فأنى يكون لمن ذلك وصفه ربوبية جل عن ذلك . والثاني : أن الذي يكون بالقسر والقهر يكون أمر الخلقة ، لا أمر فعل العبد ، وذلك في الحقيقة لله ، لا للبشر ، وما هو له من جهة الخلقة موجود ؛ لأن نفس كل أحد بالخلقة مؤمن ، وقد شاء الله تلك المشيئة ، فالقول بلو شاء لا معنى له ؛ بل قد شاء وكان ، ولا قوة إلا بالله . والثالث : أنه وعد أن لو شاء أن يجعل كذا لفعل ؛ وهو لو فعل لكان يجعل من قد آمن منهم في الحقيقة مؤمنا في المجاز ، كافرا في الحقيقة ؛ لأنهم بهذا يصيرون أمّة واحدة ؛ إذ صار كثير منهم مؤمنين بالاختيار ، لا يحتمل أن يجعلهم على غير ذلك ، فيكون محمودا عدلا ، والله الموفق . ثم الأصل أن الله - تعالى - قد جعل أدلة كل موعود في الحس ظاهرا ، وكل مقدور عليه بالوعد والدعوى له مما جبل عليه أمرا بيّنا ، وهذا النوع من المشيئة عندهم والدعوى بما جعل جميع مانع لأن يكون كائنا « 3 » ، فيصير بالذي به ادعى لنفسه من القدرة مكذبا بما جعل لمنع مثله الأدلة ، ومن ذلك وصفه ، فهو غير حكيم ، جل الله عن هذا . على أن المتأمل بما أخبر « 4 » يجد حقيقته دون أن يحتاج إلى دليل يوضح قدرته على ما ادعى على بقاء المحنة سبيلا سهلا بحمد الله لا يحتاج إلى ما ذكروا من المكابرة ، وهو ما قال الله - تعالى - : وَلَوْ لا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً . . . الآية [ الزخرف : 33 ] .

--> ( 1 ) في أ : ذلك . ( 2 ) في أ : بالحجة . ( 3 ) في ب : كذلك . ولعل في الجملة سقطا بعد « جميع » . ( 4 ) في أ : اختبر .