أبي منصور الماتريدي

192

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله : وَمَنْ تابَ مَعَكَ من الشرك ، ادعوهم على أن يستقيموا على ما أقروا وأدّوا بلسانهم وَلا تَطْغَوْا قال بعضهم « 1 » الطغيان هو المجاوزة عن الحد الذي جعل له . وقوله : إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ هذا وعيد . وقوله - عزّ وجل - : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا قال الحسن : هو صلة قوله : فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسّكم النار . قال الحسن : بينهما دين الله بين الركون إلى الظلمة ، والطغيان في النعمة . الآية وإن كانت في أهل الشرك فهي فيهم وفي غيرهم من الظلمة أن كل من ركن إلى الظلمة يطيعهم أو يودهم فهو يخاف أن يكون في وعيد هذه الآية . وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِياءَ في دفع العذاب عنهم ، أو إحداث نفع لهم . ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ لا ناصر لهم دونه ، ولا مانع ، والله أعلم . وتأويل قوله : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا في ظلمهم فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ . . . الآية ، وإن خرجت مخرج العموم فهي خاصة ؛ لأنه لا كل ظلم يركن إليه تمسّه النار ، وكأنه إنما خاطب به الأتباع ؛ يقول : لا تركنوا إلى الكبراء منهم والقادة في ظلمهم وفيما يدعونكم إليه فتمسكم النار . وقال بعض أهل التأويل نزل قوله : وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا في رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم حين دعاه أهل الشرك إلى ملة آبائه ؛ يقول : ولا تميلوا إلى أهل الشرك ، ولا تلحقوا بهم . وقوله - عزّ وجل - : وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ : صلاة المغرب ، ظاهر هذا أن يكون فيها ذكر صلوات ثلاث : صلاة الفجر في الطرف الأوّل ، وصلاة العصر في الطرف الأخير وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ [ صلاة المغرب ؛ لأنه ذكر زلفا من الليل ، والزلف هي القرب منه ؛ لأن الزلفى هي القربة والوسيلة إليه ؛ فيكون قوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ ] « 2 » أي : قريبا من طرفي النهار من الليل ، وهو المغرب ، ويكون ذكر سائر الصلوات في قوله : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ [ الإسراء : 78 ] ذكر دلوك الشمس ، وهو زوال الشمس ، وغسق الليل : العشاء ، أو في قوله : فَسُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ . وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ [ الروم : 17 ، 18 ] حِينَ تُمْسُونَ : صلاة العصر ، وَحِينَ تُصْبِحُونَ : صلاة الفجر وَعَشِيًّا * : صلاة العشاء وَحِينَ تُظْهِرُونَ : صلاة الظهر ، وليس لصلاة المغرب ذكر في الآية ، لكنها ذكرت في قوله : وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .