أبي منصور الماتريدي
182
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وما ذكر من ظلمهم أنفسهم يحتمل وجوها : أحدها : ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله . والثاني : ظلموا أنفسهم بصرفهم الناس وصدهم عن سبيل الله وعن عبادة الله وتوحيده إلى عبادة غير الله . والثالث : ظلموا أنفسهم بسؤالهم العذاب . وقوله : فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ في هذا وجهان : أحدهما : ما أغنت عنهم عبادة آلهتهم التي عبدوها من دون الله لما جاء أمر ربّك ؛ أي : عذاب ربك ؛ كقولهم : ما نَعْبُدُهُمْ . . . الآية [ الزمر : 3 ] ، يخبر أن عبادتهم الأصنام لا تنفعهم المنفعة التي طمعوا . والثاني : فما أغنت عنهم أنفس آلهتهم في دفع العذاب عنهم في أحوج حال إليها ؛ لعجزهم في أنفسهم وضعفهم ؛ كقولهم : هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ فإذا لم يملكوا ذلك في وقت الحاجة إليهم فكيف يملكونه في غيره من الحال ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ يحتمل : ما زاد عبادتهم إياها غير تتبيب ، أو ما زاد آلهتهم التي عبدوها غير تتبيب . والتتبيب : قال عامة أهل التأويل : هو التخسير « 1 » . وقال أبو عوسجة : غير تتبيب : غير فساد ، والتتبيب : الفساد . وكذلك قال في قوله : وَما كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبابٍ أي : فساد . وقال غيره : إلا في خسار وقال غيره : غير تخسير . [ وكذلك قالوا في قوله : تَبَّتْ [ المسد : 1 ] أي : خسرت . وقال أبو عبيدة « 2 » : غير تتبيب : غير تدبير وإهلاك ] « 3 » . وكذلك قالوا في قوله : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ وكذلك قالوا في قول الناس : تبّا لك .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 111 ) عن كلّ من : ابن عمر ( 18565 ) ، ومجاهد ( 18566 ، 18567 ) ، وقتادة ( 18568 ، 18569 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 632 ) وزاد نسبته لابن المنذر وأبي الشيخ عن ابن عمر ، ولابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد . ( 2 ) ينظر : مجاز القرآن ( 1 / 299 ) . ( 3 ) ما بين المعقوفين سقط في ب .