أبي منصور الماتريدي

176

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أو حرمة رهطي عندكم وحقهم أعظم من حق الله وحرمته ، وقد تعلمون إحسانه إليكم وإنعامه عليكم . وقوله - عزّ وجل - : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا قال بعضهم : [ قوله ] « 1 » : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أي : حملتموه على ظهركم وحملهم إياه على ظهرهم إسخاطهم إياه ، قال : تقول : العرب : فلان حمل الناس على ظهره : أي : أسخطهم على نفسه . ولكن لا ندري أيقال هذا أم لا . فإن قيل هذا فهو يحتمل ما قال ، وهو قول أبي بكر الأصم . وقال غيره من أهل التأويل : قوله : وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أي : نبذتم الله وراء ظهركم « 2 » ، أي : نبذتم حق الله وأمره وكتابه الذي أنزله إليكم وراء ظهركم ، لا تعملون به ، ولا تكترثون إليه ، هو كالمنبوذ وراء ظهركم ؛ هذا على التمثيل أي : جعلوا أمر الله ودينه الذي دعوا إليه كالمنبوذ وراء ظهرهم ، لا يعملون به ولا ينظرون إليه ، ولا يكترثون وهو ما ذكر في قوله : نَكَصَ عَلى عَقِبَيْهِ [ الأنفال : 48 ] وقوله : انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ [ آل عمران : 144 ] على التمثيل ، أي : الذي أنتم عليه في القبح كالانقلاب على الأعقاب إِنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ هذا يخرج على وجهين - أيضا - : أي : إن ربي بما تعملون من الأعمال الخبيثة محيط فيجزيكم بها ، أو يقول : إن ربي بما تعملون من الكيد برسول الله والمكر به محيط فينصره عليكم . وقوله - عزّ وجل - : وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ هذا يخرج على وجهين : أحدهما : أن كونوا على دينكم الذي أنتم عليه ، وأنا أكون على ديني ؛ كقوله : لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ [ الكافرون : 6 ] لأن قوم شعيب قالوا لشعيب : لَنُخْرِجَنَّكَ يا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فقال لهم [ هذا ] عند ذلك ، وهذا إنما يقال عند الإياس « 3 » عن إيمانهم ، كقوله : لا حُجَّةَ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمُ [ الشورى : 15 ] وأمثاله . والثاني : قوله : اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنِّي عامِلٌ أي اعملوا في كيدي ، والمكر في هلاكي ، إني عامل ذلك بكم ، وهو كما قال غيره من الرسل : فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ [ هود : 55 ] وقوله : فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ [ الأعراف : 71 ] ونحوه .

--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) انظر تفسير البغوي ( 2 / 399 ) والرازي ( 18 / 41 ) . ( 3 ) في أ : الأيس .