أبي منصور الماتريدي

159

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وبين ربه ، وما كان بينه وبين الخلق ، حيث ذكر أنه حليم وأنه أواه ، وأنه منيب ، والمنيب ، قيل : المخلص لله وقيل : هو المقبل إلى الله بقلبه وبدنه ، وقد ذكرنا هذا في سورة التوبة . وقوله - عزّ وجل - : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا يعني : عن المجادلة [ التي كان يجادلهم إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ أي : جاء ما أمر به ربك ، وجاء موعودهم ، وأنهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ أي : غير مدفوع لا يحتمل الردّ بالشفاعة . ويحتمل قوله : يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا عن المجادلة التي ] « 1 » ذكر أنه قد جاء أمر ربك بالانصراف والرجوع عنك . ويحتمل : جاء أمر ربك من إنزال العذاب بهم . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 77 إلى 83 ] وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ ( 77 ) وَجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ ( 78 ) قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا فِي بَناتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ ( 79 ) قالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ ( 80 ) قالُوا يا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَ لَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ( 81 ) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ ( 82 ) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ ( 83 ) وقوله - عزّ وجل - : وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ : قوله سِيءَ بِهِمْ قيل : أي : ساءه مجيئهم ومكانهم « 2 » وكرههم لصنيع قومه بالغرباء مخافة أن يفضحوهم وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً أي : لم يدر كيف يصنع بهم ، وكيف يحتال ليدفع عن ضيفه سوء قومه . والذرع : قيل : هو المقدرة والقوة ، أي : ضاق مقدرته وقوته وَقالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ قيل : فظيع شديد « 3 » ؛ لأنه يوم يهتك فيه الأستار ، ويفضح الرجال . وفيه دليل جواز الاجتهاد ؛ لأنه قال : يوم عصيب فظيع ، فبعد لم يظهر له شدته لكنه قاله اجتهادا ، والله أعلم .

--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في ب . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 79 ) وبمعناه البغوي ( 2 / 394 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 81 ) عن كلّ من : مجاهد ( 18370 ) ، وقتادة ( 18371 ، 18373 ) ، وابن إسحاق ( 18372 ) ، وابن عباس ( 18374 ) . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 619 ) وعزاه لابن الأنباري في الوقف والابتداء ، والطستي عن ابن عباس .