أبي منصور الماتريدي
147
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وعصوا رسلهم ، الكفر بالآيات كفر بجميع الرسل ، والكفر بواحد من الرسل كفر بالرسل جميعا وبالله ؛ لأن كل واحد من الرسل يدعو إلى الإيمان بالله وبجميع الرسل ، فالإيمان بواحد منهم إيمان بالله وبجميع الرسل والآيات ، والكفر بواحد منها « 1 » كفر بالله وبجميع الرسل ، وإنما كان الكفر بالآيات كفرا بالله ؛ لأن الله إنما يعرف من جهة الآيات والكفر بالآيات كفر به . وقوله - عزّ وجل - : وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ قيل : أخبر أنهم اتبعوا أمر الجبابرة وأطاعوهم ، وتركوا اتباع الرسل وطاعتهم . قيل : الجبار هو المتجبر الذي يتجبر على الرسل ويتكبر عليهم ؛ لأن الرؤساء منهم كانوا يتجبرون على الرسل ويتكبرون ، ثم الأتباع اتبعوا الرؤساء في عملهم . قال أبو عوسجة : الجبار هو المتجبر ، والعنيد هو المعاند المخالف . وقال القتبي « 2 » : العنود والعنيد والمعاند المعارض لك بالخلاف عليك . وقال أبو عبيدة « 3 » : العنيد والعنود والمعاند هو الجائر « 4 » . وقوله - عزّ وجل - : وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيامَةِ : قال بعضهم : اللعن هو العذاب ، أي : أتبعوا في الدنيا وفي الآخرة بالعذاب ؛ كقوله : أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ [ هود : 18 ] أي : عذاب الله . وقوله - عزّ وجل - : وَأُتْبِعُوا أي : ألحقوا ، وقيل : إن اللعن هو الطرد « 5 » ، طردوا عن رحمة الله حتى لا ينالوها لا في الدنيا ولا في الآخرة ، إلا أن عادا كفروا ربهم أَلا بُعْداً لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ ، أي : ألا بعدا لهم من رحمة الله . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 61 إلى 68 ] وَإِلى ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ ( 61 ) قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هذا أَ تَنْهانا أَنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وَإِنَّنا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ مُرِيبٍ ( 62 ) قالَ يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ ( 63 ) وَيا قَوْمِ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابٌ قَرِيبٌ ( 64 ) فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا فِي دارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ( 65 ) فَلَمَّا جاءَ أَمْرُنا نَجَّيْنا صالِحاً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ ( 66 ) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ ( 67 ) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها أَلا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلا بُعْداً لِثَمُودَ ( 68 )
--> ( 1 ) في ب : من هذا . ( 2 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 205 ) . ( 3 ) ينظر : مجاز القرآن ( 1 / 290 ) . ( 4 ) انظر تفسير البغوي ( 2 / 389 ) ، وكذا الرازي ( 18 / 13 ، 14 ) . ( 5 ) تقدم .