أبي منصور الماتريدي
144
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أي : إنا إنما ننهاك عن سب آلهتنا وذكر العيب فيها إشفاقا عليك لئلا يصيبك [ شئ منها ] « 1 » . وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : قالوا : « شتمت آلهتنا فخبلتك وأصابتك بالجنون » « 2 » ، فتأويله - والله أعلم - أنك إنما تدعونا إلى ما تدعونا إليه وتدعي ما تدعي لما أصابتك آلهتنا بسوء واعترتك بجنون ، كانوا يخوفونه أن تصيبه آلهتهم بسوء بتركه عبادتها ، على ما كانوا يرجون ويطمعون بعبادتهم إياها شفاعتها لهم ؛ قال : إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ به وتعبدونه من الآلهة ، واشهدوا أنتم أيضا بأني بريء من ذلك ، فَكِيدُونِي جَمِيعاً : أنتم وآلهتكم فيما تدعونني من الهلاك أو السوء ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ أي : ثم لا تمهلون في ذلك . ويحتمل قوله : فَكِيدُونِي جَمِيعاً [ أنتم وآلهتكم ] « 3 » ؛ يقول : اعملوا أنتم وآلهتكم جميعا التي تزعمون أنها خبلتني وأجنتني ، ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ . أي : لا تمهلون ، وهذا من أشد آيات النبوة ؛ لأنه يقول لهم وهو بين أظهرهم وحيدا ، فلولا أنه يقول ذلك لهم بقوة من الله والاعتماد له عليه والانتصار به ، وإلا ما اجترأ أحد أن يقول مثل هذا بين أعدائه علم أنه قال ذلك بالله تعالى ؛ وكذلك قول رسول الله صلى اللّه عليه وسلّم : قُلِ ادْعُوا شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ . . . الآية [ الأعراف : 195 ] ، وقول نوح : ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ . . . الآية [ يونس : 71 ] ، وقول شعيب : وَيا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ . . . الآية [ هود : 93 ] وأمثاله ، قالوا ذلك بين أظهر الأعداء ولم يكن معهم أنصار ولا أعوان ؛ دل أنهم إنما قالوا ذلك بالله وذلك من آيات النبوة . وقوله - عزّ وجل - : إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ أي : فوضت أمري [ إلى الله ] « 4 » ، أو وكلت في جميع عملي إليه ، أو وثقت به واعتمدت عليه فيما توعدونني من الهلاك ، أو توكلت عليه في دفع ما أوعدتموني ربي وربكم ، أي : كيف توعدونني بآلهتكم التي تعبدون ، ولا تخافون الذي تعلمون أنه هو ربي وربكم ؟ ! وهو كما قال إبراهيم : وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ . . . الآية [ الأنعام : 81 ] . وقوله - عزّ وجل - : ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها : يميتها متى شاء .
--> ( 1 ) في ب : منها شيء . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 59 ) ( 18286 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 610 ) وعزاه لابن جرير عن ابن عباس . ( 3 ) سقط في ب . ( 4 ) في ب : إليه .