أبي منصور الماتريدي

131

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الغرق . وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ أي : عذاب يدوم . وقال بعضهم : عَذابٌ مُقِيمٌ هو عذاب الآخرة « 1 » ؛ كقوله : أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً [ نوح : 25 ] . وأما قول أهل التأويل : إن سفينة نوح كان طولها كذا وعرضها كذا ، فليس لنا بذلك علم ولا حاجة لنا إلى معرفة ذلك ، فإن صح ذلك فهو ما قالوا وقولهم كان لها ثلاثة أبواب وثلاثة أطباق ، فذلك أيضا لا نعرفه ، ولا قوة إلا بالله . قوله تعالى : [ سورة هود ( 11 ) : الآيات 40 إلى 43 ] حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ ( 40 ) وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ( 41 ) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ ( 43 ) وقوله - عزّ وجل - : حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ . قوله : جاءَ أَمْرُنا أي : جاء وقت أمرنا بالعذاب الذي استعجلوه ؛ كقولهم : فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ [ الأعراف : 70 ] ؛ وكذلك كانت عادة الأمم السالفة استعجال العذاب من رسلهم ، وسمي العذاب أمر الله ؛ لما لا صنع لأحد فيه ، وكذلك المرض سمي أمر الله ؛ لما لا صنع لأحد من الخلائق فيه ، وسمى الصلاة أمر الله ؛ لما بأمره يصلي . وقوله - عزّ وجل - : وَفارَ التَّنُّورُ : قال أبو عوسجة : وَفارَ التَّنُّورُ يقال : فار الماء أي خرج يفور فورا ، أي : غلى كما تغلي القدر وتصديقه قوله : وَهِيَ تَفُورُ . تَكادُ . . . [ الملك : 7 ، 8 ] قالوا : فار أي : خرج وظهر . والتنور : اختلف فيه ؛ قال بعضهم : التنور هو وجه الأرض ، قالوا : إذا رأيت الماء خرج ونبع وظهر على وجه الأرض فاركب « 2 » . وقال بعضهم : التنور هو التنور الخابزة التي يخبز فيها ، قالوا : إذا رأيت الماء نبع من

--> ( 1 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 38 ) . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 38 ، 39 ) عن ابن عباس ( 18158 ) ، وعن الضحاك ( 18159 ) ، وعكرمة ( 18160 ، 19161 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 596 ) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس ، ولأبي الشيخ عن عكرمة .