أبي منصور الماتريدي

127

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

أن يريد هو هداية من يعلم أنه يختار عداوته ؛ لأن ذلك يكون من الضعف أن يختار المرء ولاية من يختار هو عداوته ، فدل أنه لم يرد الهداية لمن علم منه اختيار الغواية والضلال . ثم إضافة الإغواء والإزاغة والإضلال إلى الله يخرج على وجهين : أحدهما : أنه ينشئ ذلك الفعل منهم غيا وزيغا وضلالا لا بد ؛ لأن فعلهم فعل غواية وزيغ . والثاني : أنه خذلهم ولم يوفقهم ولم يرشدهم ولم يعصمهم ولا سددهم ، فمن ذلك « 1 » الوجه ليس فعله فعل الذم عليه حتى يتحرج بالإضافة إليه ، ومن الإضافة إلى الخلق يكون على الذم ؛ لأن فعلهم نفسه فعل غواية وضلال ، فاستوجبوا الذم عليه بذلك ، والإغواء من الخلق هو الدعاء إلى ذلك أو الأمر به ، فهو مذموم يذمون على ذلك وليس من الله تعالى من هذا الوجه ، ولكن على الوجهين اللذين ذكرناهما . وفي قوله : وَلا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ دلالة تعليق الشرط على الشرط . وقوله - عزّ وجل - : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ أي : بل يقولون . إنه افتراه من عند نفسه قل : « 2 » إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ : اختلف فيه ؛ قال بعضهم : قال قوم نوح لنوح - عليه السلام « 3 » - : إنه افترى على الله أنه رسول إليهم من الله على ما سبق من دعائه قومه إلى دين الله ، فقالوا له : إنه افتراه . وقال بعضهم : هو قول قوم محمد « 4 » قالوا : افترى محمد هذا القرآن من نفسه ليس هو من الله على ما يزعم ، وهو ما قال في صدر السورة ، وهو قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَياتٍ إلى آخر ما ذكر ، فعلى ذلك هذا هو قولهم لرسول الله صلى اللّه عليه وسلّم إنه افترى هذا القرآن الذي يقول هو من الله من نفسه فقال : قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ أي : إن افتريته فعليّ جرم افترائي وجزاؤه . وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ معناه - والله أعلم - أي : لا تؤاخذون أنتم بجرم افترائي إن افتريته ، وأنا لا أؤاخذ بإجرامكم ؛ كقوله : فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ [ النور : 54 ] وكقوله : ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ [ الأنعام : 52 ] ، فعلى ذلك اجرامي ، وأمكن أن يكون هذا القول لهم لما أيس من إيمانهم ؛ كقوله : لا حُجَّةَ بَيْنَنا

--> ( 1 ) في ب : ذا . ( 2 ) في أ : قيل . ( 3 ) ذكره البغوي بمعناه ( 2 / 381 ) ونسبه لابن عباس وأبي حيان في البحر ( 5 / 220 ) . ( 4 ) ذكره ابن جرير ( 7 / 33 ) ، وكذا البغوي بمعناه ( 2 / 381 ) ونسبه لمقاتل .