أبي منصور الماتريدي
119
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقوله - عزّ وجل - : وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ : أخبر أنه أرسله إلى قومه ، ولم يفهم منه الإرسال من مكان إلى مكان ؛ وكذلك قوله : لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ [ التوبة : 128 ] ولم يكن مجيئه من مكان إلى مكان ، فهذا يدل أنه لا يفهم من ذكر المجيء الانتقال من مكان إلى مكان ؛ وكذلك الإرسال . وقوله - عزّ وجل - : إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أي : نذير لمن عصى بالنار وبعقابه بين الإنذار . وقوله - عزّ وجل - : أَنْ لا تَعْبُدُوا أي : لا تجعلوا عبادتكم إلا لمعبود هو معبود بشهادة خلقتكم ؛ لأن خلقتهم تشهد على أنه هو المستحق للعبادة ، لا من تعبدون من الأصنام والأوثان . ويحتمل قوله : أَنْ لا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ أي : وحدوا الله ولا تصرفوا الألوهية إلى غيره ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ : أضاف [ الألم إلى اليوم واليوم ليس بمؤلم ولكنه - والله أعلم - أضاف إليه ؛ لما فيه يؤلم ، وهو كقوله : اللَّيْلَ سَكَناً [ الأنعام : 96 ] والليل لا يسكن ولا يوصف به ، لكنه يسكن ] « 1 » فيه ، وكذلك قال : وَالنَّهارَ مُبْصِراً [ يونس : 67 ] والنهار لا يبصر ، لكنه يبصر فيه ؛ فعلى ذلك قوله : يَوْمٍ أَلِيمٍ لما فيه يكون العذاب الأليم . وقوله - عزّ وجل - : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ أي : الخوف في غيره لا يكون في الحقيقة خوفا ؛ وكذلك الرجاء في غيره لا يكون في الحقيقة رجاء ، وفي نفسه يكون في الحقيقة خوفا ورجاء ؛ لما يلحقه ضرر في نفسه أن جعل به ذلك لغيره ، ويلحقه نفع فيكون الخوف في نفسه حقيقة خوف والرجاء حقيقة رجاء ، وأما في غيره لما لا يلحقه ضرر وإن حل ذلك لغيره ، ولا ينال من النفع في الرجاء إن نال ذلك الغير ، لكنه يخرج على وجهين :
--> ( 1 ) ما بين المعقوفين سقط في أ .