أبي منصور الماتريدي

116

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ : تأويله - والله أعلم - أن الذين آمنوا بالله وبجميع ما أنزل على رسوله ، وعملوا الصالحات ولزموا ذلك حتى صاروا إلى الله أولئك أصحاب الجنة ؛ وهو كقوله : وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى [ طه : 82 ] أي : من تاب من الشرك وآمن بالله وعمل صالحا ثم اهتدى أي : ثم لزم ذلك حتى صار « 1 » إلى الله هكذا ؛ فعلى ذلك قوله : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ لزموا ذلك كله حتى صاروا إلى الله . ويحتمل قوله : ثُمَّ اهْتَدى سنن الذين أولئك كذا . وقوله : وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ اختلف فيه : قال بعضهم : الإخبات التخشع والتواضع « 2 » ، أي : تخشعوا وتواضعوا فرقا من ربهم . وقال بعضهم : أخبتوا أي : اطمأنوا على ذلك أولئك كذا . وعن ابن عباس - رضي الله عنه - : أخبتوا قال : خافوا من ربهم « 3 » . وقال القتبي « 4 » : أخبتوا أي : تواضعوا لربهم ، وقال : الإخبات التواضع والوقار . وقال أبو عوسجة : الإخبات التوبة والمخبت التائب . وقال غيرهم : الإخبات الإنابة ، أخبتوا أي : أنابوا إلى الله ؛ وبعضه قريب من بعض . ومن قال : الإخبات هو التواضع والخشوع فمعناه - والله أعلم - أي : تواضعوا وخشعوا بالإجابة إلى ما دعاهم إليه ربهم وندبهم إليه . وقوله - عزّ وجل - : مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ أي : الصنفين اللذين سبق وصفهما ، وهو قوله : مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها . . . الآية [ هود : 15 ] فهو وصف الكافر ، والفريق الآخر قوله : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ [ هود : 17 ] إلى آخر ما ذكر وفيه وصف المؤمن . أو يكون وصف الكافر ما ذكر : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ . . . إلى قوله : وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ هو وصف أحد الفريقين وهم الكفار ، والفريق الآخر ما ذكر : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَأَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ هذا - والله أعلم - الفريقين اللذين ضرب مثلهما بالأعمى

--> ( 1 ) في ب : صاروا . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 26 ) ( 18115 ) عن قتادة ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 590 ) وزاد نسبته لعبد الرزاق وأبي الشيخ عن قتادة . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 7 / 25 ) ( 18111 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 589 ) وزاد نسبته لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن ابن عباس . ( 4 ) ينظر : تفسير غريب القرآن ( 202 ) .