أبي منصور الماتريدي

103

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الْكافِرُونَ [ يوسف : 87 ] . ويحتمل قوله : إِنَّهُ لَيَؤُسٌ في حال ذهاب النعمة ، والكفور في حال النعمة والسعة ، كفور لما رأى نزع ذلك المال والسعة منه جورا وظلما فهو كفور . وعن ابن عباس قال : وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ يعني الكافر « 1 » ، مِنَّا رَحْمَةً يقول : نعمة العافية وسعة في المال وما يسر به ، ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ يعني الرحمة إِنَّهُ لَيَؤُسٌ يعني قنوط آيس وأقنطه من رحمة الله ؛ وهو كقوله : وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ [ الروم : 36 ] . وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ : الفرح هو الرضا ؛ كقوله : وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا [ الرعد : 26 ] أي : رضوا بها . وقيل الفرح : البطر يبطر في حال السعة والرخاء ؛ كقوله : إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [ القصص : 76 ] ، والفرح قد يبلغ كفرا ، ويكون الفرح سرورا ولا يكون كفرا . فخور : يفتخر على الفقراء بالمال الذي أعطي ، أو يفتخر على الأنبياء والرسل بالتكذيب ، وكذلك كان عادة رؤسائهم أنهم كانوا ذوى مال وسعة ، فلا بد يرون الرسالة تكون فيمن دونهم في المال والسعة ؛ كقولهم : لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ [ الزخرف : 31 ] ؛ وكقولهم : نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالًا وَأَوْلاداً [ سبأ : 35 ] ونحوه . ويحتمل قوله : لَيَؤُسٌ في حال الشدة ، كفور لله في نعمه [ في الرخاء وأصل ذلك ] « 2 » أنهم كانوا لا ينظرون في النعم إلى من أنعم عليهم ، إنما ينظرون إلى « 3 » أعين النعم وأنفسها ؛ لذلك حملهم نزع ما أعطوا منهم على الإياس والقنوط ، وإعطاؤها إياهم على الكفران والفرح والفخر ، ولو نظروا في تلك النعم إلى المنعم لم يقع لهم إياس عند النزع ، ولا الكفران والفرح عند النيل ، بل يصبرون عند النزع من أيديهم ويشكرون للمنعم عليهم في حال النيل . ثم استثنى فقال : إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ : قال بعض أهل التأويل : [ إلا الذين صبروا على البلايا والشدائد وعملوا الصالحات يعني : الطاعات ويشبه أن يكون

--> - وأما انتقال الإنسان من المحنة إلى النعمة ، فالكافر يكون فرحا فخورا ؛ لأن منتهى طبع الكافر هو الفوز بهذه السعادات الدنيوية ، وهو منكر للسعادات الأخروية . ينظر اللباب ( 10 / 445 ) . ( 1 ) ذكره الرازي في تفسيره ( 17 / 153 ) ولم ينسبه لأحد ، وكذا أبو حيان ( 5 / 206 ) . ( 2 ) في أ : والرخاء وأصله ، وذلك . ( 3 ) في أ : على .