أبي منصور الماتريدي

100

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

و كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ أي : مبين في كتابه . قيل : في اللوح المحفوظ « 1 » ، ويحتمل القرآن وغيره . وقوله - عزّ وجل - : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ . وقال في موضع آخر : خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ السجدة : 4 ] ، وقال في موضع آخر : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 9 ] ، وقال : فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ [ فصلت : 12 ] ، وقال : وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ [ فصلت : 10 ] . يجوز أن يكون جعل للأرض يومين : يوما لوجودها ويوما لعدمها ، وكذلك السماء جعل يوما لوجودها ويوما لعدمها ؛ كقوله : يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ . . . الآية [ إبراهيم : 48 ] ؛ وكقوله : يَوْمَ نَطْوِي السَّماءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ [ الأنبياء : 104 ] وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ [ الفرقان : 25 ] . وكذلك ما بينهما جعل يوما لوجوده ويوما لعدمه ، فيكون يوم السابع يوم البعث يكون لكل من ذلك يومان : يوم لوجوده ، ويوم لعدمه ، وقد ذكرنا شيئا في ذلك مما احتمل وسعنا في سورة الأعراف . وفي هذه الآية دلالة أن السماوات والأرض دخلتا « 2 » تحت الأوقات بقوله : فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ [ الأعراف : 54 ] إذ الأيام عند الناس إنما هي « 3 » مضى الأوقات ، فإذا دخلتا « 4 » تحت الأوقات ليستا بأزليتين - على ما يقول بعض الملحدة إنهما أزليتان - كانا كذلك ، والله أعلم ، [ وجائز أن يكون اليوم السابع هو اليوم الذي أنشأ الممتحن فيه ، فهو المقصود في خلق ما ذكر من الأشياء ، أعني من البشر ، وقوله : ] « 5 » . وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ إن كان العرش اسم الملك والسلطان على ما قال بعض أهل التأويل ، فتأويله - والله أعلم - كان أظهر ملكه عن الماء « 6 » « على » بمعنى « عن » ،

--> ( 1 ) ذكره البغوي ( 2 / 374 ) ، وأبو حيان في البحر ( 5 / 205 ) . ( 2 ) في أ : دخلت . ( 3 ) في ب : هو . ( 4 ) في أ : دخلت . ( 5 ) ما بين المعقوفين سقط في أ . ( 6 ) فإن قيل : ما الفائدة في ذكر أن عرشه كان على الماء قبل خلق السماوات والأرض ؟ فالجواب : أن فيه دلالة على كمال القدرة من وجوه : أحدها : أن العرش مع كونه أعظم من السماوات والأرض كان على الماء ؛ فلولا أنه تعالى قادر على إمساك الثقيل بغير عمد لما صح ذلك . وثانيها : أنه تعالى أمسك الماء لا على قرار ، وإلا لزم أن يكون أجسام العالم غير متناهية ؛ فدل على كمال القدرة . -