أبي منصور الماتريدي
83
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الأصلاب ، والإنشاء في الأرحام ؛ على ما كان ويكون إلى يوم القيامة ؛ على ما قال الله - سبحانه وتعالى - : فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ مِمَّ خُلِقَ . . . [ الطارق : 5 ] إلى قوله : يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ [ الطارق : 7 ] وقال : إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا . . . الآية [ الحج : 5 ] ، وقال : وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ . . . الآية [ المؤمنون : 12 ] ، وقال : ما لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقاراً . . . الآية [ نوح : 13 ] ، وغير ذلك مما احتج الله به من أوّل ما جرى به تدبير البشر إلى آخر ما ينتهي به أمره ، مما يعجز عن تقديره وسع الخلق ، ويستتر عن عقولهم كيفية بدء ذلك ، وما عليه تنقله من حال إلى حال في كل طرفة عين ، ولحظ بصر ، مع ما فيه من عجيب التدبير وحسن التقويم الذي [ لو ] « 1 » تكلف الخلق تصوير مثله « 2 » بكل أنواع الحيل من الأصول الظاهرة ، بحيث يبصره كل بصر - لكان يعجز عنه ، فكيف في الظلمات الثلاث « 3 » ، مع ما ركب فيه من العقل والسمع والبصر ، وما جعل في كل ما أنشأ فيه ، ومنه مما لا يبلغ الأوهام فضلا عن « 4 » الإحاطة بما في ذلك من الحكمة ؛ ولذلك قال الله : وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ [ الذاريات : 21 ] وكأن « 5 » ذلك هو العهد إلى جميع الذرية وإشهاد أنفسهم عليهم ، يتعالى من دبرهم على ذلك وأنشأهم على ما فيهم عن أن يكون له [ شريك ] أو يقدر أحد قدره ، فذلك هو معنى إشهادهم على أنفسهم ، أي : جعلهم على أنفسهم شهودا أن يعلموا أن مدبرهم هو ربهم ، لا ربّ لهم غيره ، وأنه ليس كمثله شيء ، مع ما في جعل ذلك ذرية يعرف كل بما يرى من عجزه تدبير ولده ، وجهله بأحواله في حال كونه في رحم أبويه بيان على أنه لا كان بآبائه وأمهاته علم ، ولكن برب العالمين ، وذلك هو الذي يمنعهم عن القول بالغفلة « 6 » عن ذلك ؛ إذ قد علمه كل منهم لآجال كونهم في الوقت الذي لا يذكره أحد . والذي يبين أن هذا التأويل أحق من الأول ما دل عليه « 7 » سياق الآية من ذلك قوله « 8 » : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ ، وأقاويل من ذكرت على الأخذ من ظهر آدم .
--> ( 1 ) سقط في ب . ( 2 ) في ب : أمثلة . ( 3 ) المقصود : البطن ، والرحم ، والمشيمة . ( 4 ) في أ : من . ( 5 ) في ب : فكأن . ( 6 ) في أ : بالفضلة . ( 7 ) في ب : ما دل على . ( 8 ) في أ : من ذلك وقوله .