أبي منصور الماتريدي
8
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
--> - ثالثا : لو كانت الرؤية في قوله تعالى : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ بمعنى العلم الضروري - كما يقولون - فإما أن يكون الجواب بقوله تعالى : قالَ لَنْ تَرانِي نفيا للعلم الضروري أو للرؤية ، فإن كان الأول لزم أن يكون المعنى على ذلك : لن تعلم بي علما ضروريّا ، وهو بديهي البطلان . وإن كان الثاني لم يصلح أن يكون نفي الرؤية جوابا عن سؤال العلم الضروري ، وكيف يستقيم هذا جوابا في كلام البشر ، فضلا عن القرآن الكريم الذي بلغ حد الإعجاز ؟ ! الاعتراض الثاني : وهو منع الاستثنائية - أيضا - أن موسى عليه السلام لم يسأل رؤية ذاته ، بل سأله رؤية أمارة وعلامة من الأمارات الدالة على الساعة ، ومعنى الآية : أرني أمارة وعلامة من علاماتك انظر إلى علاماتك ، على حد قوله تعالى : وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] : واسأل أهل القرية ، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه . وهذا تأويل لا يسيغه عقل سليم ؛ فهو أولا مخالف للظاهر بلا ضرورة . ثانيا : الجواب لَنْ تَرانِي إن كان محمولا على نفي ما وقع السؤال عنه من رؤية الأمارة والعلامة ، فلقد أراه أعظم الآيات والعلامات وهي تدكّك الجبل ، وإن كان محمولا على نفي رؤية ذاته لم يكن الجواب مطابقا للسؤال ، وهذا لا يتفق وبلاغة القرآن . ثالثا : الرؤية المعلقة على الاستقرار إن كانت محمولة على الآية والعلامة فباطل ؛ لأن الآية والعلامة في تدكك الجبل لا في استقراره ، وإن كانت محمولة على الرؤية فلا تكون مرتبطة بالسؤال . رابعا : لو كان السؤال على رؤية آية تدل على قيام الساعة لأعطاه تلك الآية ، كما أعطاه غيرها ؛ إذ لا مانع لمنعه من ذلك ، كيف وقد أعطاه من الآيات ما لا غاية بعدها كالعصا واليد والطوفان وإخلال الجبل وغير ذلك ، وبالجملة فهذا التأويل لا وجه له . الاعتراض الثالث : وهو منع للملازمة : لو لم تكن الرؤية جائزة ما طلبها . قالوا : إن موسى - عليه السلام - سأل ربه رؤية ذاته ، وليس في ذلك ما يدل على إمكانها ؛ لأنه لم يسأل لنفسه لعلمه بامتناعها ، بل سألها لقومه عندما قالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً [ البقرة : 55 ] فسألها ربه وهو عالم بأنه سيمنع منها ، وإنما نسبه لنفسه ليمنع هو منها ؛ فيعلم قومه امتناعها بالنسبة إليهم بالطريق الأولى ، وفي هذا مبالغة بقطع دابر اقتراحهم ، كما أن أخذ الصاعقة لهم عقب سؤالها دليل ظاهر على استحالتها . وأجيب على هذا الاعتراض بعدة أجوبة : أولا : أن الآية صريحة في أنه طلبها لنفسه لا لقومه ، وإلا لقال : أرهم ينظروا إليك ، ولقال الله تعالى : لن يروني ، فالعدول عن ذلك خلاف الظاهر ، ولا دليل يدل عليه . ثانيا : لو كان الغرض من السؤال إظهار امتناعها لهم - كما يقول المعتزلة - لكان الأليق في الجواب أن يكون بما يدل على الامتناع ، وليس كذلك ؛ فإن لَنْ تَرانِي إنما يدل على نفي الوقوع للمخاطب لا على نفي الإمكان . ثالثا : لو كان الغرض من سؤال موسى - عليه السلام - الرؤية : زجر القوم وردعهم عن طلب ما لا يليق بجلال الله تعالى ، لكان موسى - عليه السلام - عابثا في طلبه هذا ؛ لأنهم زجروا عن طلبها حين قالوا : لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً بأخذ الصاعقة لهم ، فتبينوا امتناعها ؛ فيكون قول موسى - عليه السلام - : رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ سؤالا لنفسه لا لقومه ، على أن هذا السؤال ليس بمفيد لهم ؛ لأن هؤلاء إن كانوا مؤمنين كفاهم قول موسى : إنها ممتنعة ، بل كان الواجب عليه أن يزجرهم ويردعهم عن طلب ما لا يليق بجلال الباري - تعالى - كما هو شأنه ؛ فقد قال لهم : إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ حينما قالوا : اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ وإن كانوا كافرين معاندين منكرين لم يكفهم قول موسى - عليه السلام - إنه تعالى أخبر بامتناعها ، بل هذا قول -