أبي منصور الماتريدي
76
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
جزاء ما كانوا يمنعون الناس عن اتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم والإجابة له فيما يدعو إليه . وقال قائلون « 1 » : هو في بني إسرائيل ، وهو ما قال : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ . . . [ الإسراء : 4 ] إلى قوله : عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنا [ الإسراء : 8 ] أخبر إن عادوا عدنا ، ولم يبين إن عادوا عدنا بما ذا ، ثم بين في هذه الآية بقوله : لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذابِ . وقال قائلون : هذا إنما كان في هؤلاء الذين سبق ذكرهم في قوله : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ [ الأعراف : 165 ] . قال أبو بكر الأصم : الآية لا تحتمل في هؤلاء ؛ لأن من آمن منهم لا « 2 » يحتمل ذلك ، ومن صار منهم قرودا « 3 » لم يحتمل - أيضا - بعد ما صاروا قرودا ، فهو - والله أعلم - على الوجهين اللذين ذكرناهما . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقابِ . يأخذهم في حال أمنهم ، ليس كما يأخذ ملوك الأرض قومهم بعد ما يتقدم منهم إليهم تخويف ، فعند ذلك يأخذونهم بالعذاب « 4 » . أو أن يقال : سريع العقاب ، أي : عن سريع يأخذهم عقابه . وقوله : لَسَرِيعُ الْعِقابِ : لمن كفر وكذب ، غفور رحيم : لمن آمن وصدق بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم . وقوله - عزّ وجل - : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً . يحتمل : فرقناهم في وقت بعد ما كانوا مجموعين . ثم يحتمل الجمع وجهين : كانوا مجموعين ثم تفرقوا ، فصار بعضهم كفارا وبعضهم مؤمنين . أو كانوا مجموعين في المكان والمعاش والماء والكلأ ثم تفرقوا ، فصاروا متفرقين في المكان والمعاش وغيره . أو كانوا في الدين واحدا ، ثم صاروا « 5 » أصحاب أهواء . ويحتمل قوله : وَقَطَّعْناهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَماً أي : أمة بعد أمة ، وجماعة بعد جماعة ،
--> ( 1 ) ذكره بمعناه الرازي ( 15 / 35 ) وكذا ابن عادل في اللباب ( 9 / 367 ) . ( 2 ) في أ : لم . ( 3 ) في ب : قردا . ( 4 ) في ب : العذاب . ( 5 ) في ب : واحدا صاروا .