أبي منصور الماتريدي

73

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً بعد ما نهوا [ و ] « 1 » وعظوا ، فقالوا : كيف تعظون قوما لا يتعظون ولا ينتهون ، فإنما قالوا ذلك بعد ما نهوا . وقال قائلون : هذا القول منهم نهي ؛ لأنهم أتوا بوعيد شديد بقولهم : لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً ، فنفس هذا القول منهم نهي وزجر عما ارتكبوا ؛ حيث أتوا بالنهاية من الوعيد ، وهو الهلاك والعذاب الشديد . ولكنا لسنا نعلم أنهم كانوا في الهلكى أو في الناجين ، وليس لنا إلى معرفة ذلك حاجة ، ولو كان لنا حاجة إلى ذلك لبينه لنا - عزّ وجل - ولم يترك ذلك لآرائنا ، سوى أنه بين من نجا « 2 » منهم بالنهي عن الظلم والعدوان ، وبين من أهلك وعذب بالظلم والعدوان بقوله : أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ . وقوله - عزّ وجل - : قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ . قرئ بالرفع « 3 » والنصب « 4 » أيضا معذره فمن قرأ بالرفع « 5 » أضمر فيه هذه ؛ كأنهم قالوا : هذه معذرة إلى ربكم ؛ كقوله : سُورَةٌ أَنْزَلْناها [ النور : 1 ] قيل : هذه سورة أنزلناها . ومن قرأ بالنصب « 6 » قال : مَعْذِرَةً أي : اعتذارا منهم إلى ربهم وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ عما نهوا . وقوله - عزّ وجل - : فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أي : تركوا وأعرضوا عما ذكروا به .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : ينجي . ( 3 ) وهي قراءة الجمهور . ينظر : إتحاف الفضلاء ( 232 ) ، النشر لابن الجزري ( 2 / 272 ) ، تفسير القرطبي ( 7 / 307 ) ، التبيان للطوسي ( 5 / 15 ) . ( 4 ) وبها قرأ حفص عن عاصم ، وزيد بن علي وعيسى بن عمر وطلحة بن مصرف ، ينظر المصادر السابقة . ( 5 ) قراءة الرفع على أنها خبر ابتداء مضمر ، أي : موعظتنا معذرة ، ينظر : اللباب ( 9 / 360 ) . ( 6 ) وفي توجيه هذه القراءة أوجه : أظهرها : أنها منصوبة على المفعول من أجله ، أي : وعظناهم لأجل المعذرة . وقال سيبويه : لو قال رجل لرجل : معذرة إلى الله وإليك من كذا ، لنصب . الثاني : أنها منصوبة على المصدر بفعل مقدر من لفظها ، تقديره : نعتذر معذرة . الثالث : أن ينتصب انتصاب المفعول به ؛ لأن المعذرة تتضمن كلاما ، والمفرد المتضمن لكلام إذا وقع بعد القول نصب نصب المفعول به ، ك ( قلت خطبة ) . وسيبويه يختار الرفع ، قال : لأنهم لم يريدوا أن يعتذروا اعتذارا مستأنفا ، ولكنهم قيل لهم : لم تعظون ؟ فقالوا : موعظتنا معذرة . والمعذرة : اسم مصدر وهو العذر . وقال الأزهري : إنها بمعنى الاعتذار ، والعذر : التنصل من الذنب . ينظر : اللباب ( 9 / 361 ) ، الكتاب لسيبويه ( 1 / 161 ) .