أبي منصور الماتريدي

59

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وفي قوله : يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ . . . إلى آخر ما ذكر - دلالة إثبات رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ؛ لأن أولئك لم يأتوا بالتوراة ، والإنجيل فيقولون : لا نجد ما تذكر في التوراة والإنجيل ؛ دل ذلك منهم على أنهم وجدوه كذلك ، والله أعلم . وقوله : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ . أي : يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة أنه يأمر بما أمر الله به ، وينهى عما نهى الله عنه . وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ . ما أحل الله لهم . وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ ما حرم الله عليهم يجدونه في التوراة أنه لا يأمر بشيء ولا ينهى عن شيء ولا يحل شيئا ولا يحرم إلا بأمر [ من ] « 1 » الله له ، لكنهم ينكرونه إنكار عناد ومكابرة ؛ كقوله - تعالى - : يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ [ البقرة : 146 ] وغيره . ويحتمل قوله : يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ . . . الآية ، أي : يأمرهم « 2 » بما هو معروف في العقل وشهادة الخلقة ، وهو التوحيد ، وكذلك ينهاهم عما هو في العقل وشهادة الخلقة منكر ، وهو الكفر وجميع المعاصي . وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ أي : يحل ما هو طيب في العقل والطبع ، ويحرم ما هو خبيث في العقل والطبع جميعا ؛ لأن من الأشياء ما هو مستخبث في الطبع لم يجعل غذاء البشر فيه ، وإنما جعل غذاءهم فيما هو مستطاب في الطبع بلغ غايته في الطيب ، ولا كذلك جعل غذاء البهائم والأنعام ؛ هذا محتمل ، والله أعلم . ثم المعروف الطيبات « 3 » لو تركت العقول « 4 » والطباع على ما هي عليه « 5 » ، لكانت لا حاجة تقع إلى رسول يخبر أن هذا معروف ، وأن هذا طيب أو خبيث أو منكر ، ولكن تعرف العقول والطباع ذلك كله ، لكن يعترض العقول « 6 » من الشبه فتمنعها من معرفة ذلك ، فاحتاجت إلى رسول « 7 » يخبر عن ذلك .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) في أ : يأمر . ( 3 ) في ب : والطيبات . ( 4 ) في أ : للعقول . ( 5 ) في ب : عليها . ( 6 ) ف أ : تعرض للعقول . ( 7 ) في ب : رسول الله .