أبي منصور الماتريدي

55

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ . أي : يجدونه مكتوبا في التوراة أنه رسول نبي « 1 » ، وأنه أمي .

--> ( 1 ) بين الله تعالى في التوراة وفي الإنجيل لعلماء بني إسرائيل ولسائر الأمم : أن سيظهر محمد من آل إسماعيل بن إبراهيم ؛ ليكون للعالمين نذيرا ، وأنه سينسخ شريعة موسى ، وسيغير عوائده وشعائره . ووصف صحابته بالطهر والعفاف ، وأنهم أشداء على الكفار ، رحماء بينهم ، وأنهم في بدء الإسلام سيكونون جماعة صغيرة ، ثم تنمو رويدا رويدا حتى يكونوا كبارا ، يعمل الناس لهم ألف حساب وحساب . ففي الإصحاح السابع عشر من سفر التكوين : أن الله تعالى قال لإبراهيم : « سر أمامي وكن كاملا ؛ فاجعل عهدي بيني وبينك وأكثرك كثيرا جدّا » والمعنى : امش في الناس بالدعوة إلى ديني ، وعرفهم بي ؛ لينبذوا عبادة الأوثان ، وكن كاملا ، أي : أمّة وقدوة في عمل الخير . ولئن التزمت بالدعوة والقدوة ، أجعل عهدي معك بالنبوة والرسالة والملك على الأمم ، وقد التزم إبراهيم عليه السلام ، ومن أجل ذلك قال الله له : سأجعل عهدي بالنبوة والرسالة والملك على الأمم في نسل إسحاق عليه السلام إذا مشوا بالدعوة إليّ وكانوا قدوة في عمل الخير . فقال إبراهيم لله : وإسماعيل ولدي البكر أتمنى أن تجعل العهد في نسله أيضا ؛ فيكون العهد بالنبوة والرسالة والملك مشتركا بين إسماعيل وإسحاق ، ويكون لهذا مدة ، ولهذا مدة . هذا ما قاله إبراهيم عليه السلام لله تعالى حسبما تنص التوراة ؛ فإن فيها : « وقال إبراهيم لله : ليت إسماعيل يعيش أمامك . فقال الله : وأما إسماعيل فقد سمعت لك فيه ، ها أنا أباركه وأثمره وأكثره كثيرا جدّا ، اثني عشر رئيسا يلد ، وأجعله أمة كبيرة » . وقد حمل بركة إسحاق بالتوراة موسى عليه السلام ، وحمل بركة إسماعيل بالقرآن محمد عليه السلام . وبيان ذلك : - أن إسماعيل عليه السلام سكن مع أمه في برية فاران ، وهي أرض مكة المكرمة ؛ ففي الإصحاح الحادي والعشرين من سفر التكوين : « ونادى ملاك الله هاجر من السماء وقال لها : ما لك يا هاجر ، لا تخافي ؛ لأن الله قد سمع لصوت الغلام حيث هو ، قومي احملي الغلام وشدي يدك به ؛ لأني سأجعله أمة عظيمة . وفتح الله عينيها ، فأبصرت بئر ماء ، فذهبت وملأت القربة ماء وسقت الغلام . وكان الله مع الغلام فكبر وسكن في البرية . وكان ينمو رامي قوس ، وسكن في برية فاران ، وأخذت له أمه امرأة من أرض مصر » هذا هو مكان سكنى إسماعيل المبارك فيه بالملك والنبوة . - وقد قسم موسى عليه السلام بركة الله بالملك والنبوة على ثلاثة أماكن : سيناء : مكان نزول التوراة . وساعير : مكان تفسير التوراة من علماء وأنبياء بني إسرائيل . ج ) وفاران : مكان نزول القرآن . فقال في الإصحاح الثالث والثلاثين من سفر التثنية : « وهذه هي البركة التي بارك بها موسى رجل الله بني إسرائيل قبل موته فقال : جاء الرب من سيناء ، وأشرق لهم من ساعير ، وتلألأ من جبل فاران ، وأتى من ربوات القدس ، وعن يمينه نار شريعة لهم . فأحب الشعب جميع قديسيه في يدك ، وهم جالسون عند قدمك ، يتقبلون من أقوالك » . وفي هذا النص بيان كثرة أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد قال : « وأتى من ربوات القدس » وفي بعض التراجم : وأتى مع آلاف من جيش المقدسين الطاهرين الذين اختارتهم العناية الإلهية لهذا الغرض المقدس . وفي هذا النص مدح لأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -