أبي منصور الماتريدي
513
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
يخرج على وجوه : أحدها : ما ذكرنا إذا اتقوا الخلاف له فيما علمهم من أمر الحرب يكون معهم بالنصر . والثاني : معهم في التوفيق والهداية . والثالث : في الجزاء . قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 124 إلى 127 ] وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ( 124 ) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَماتُوا وَهُمْ كافِرُونَ ( 125 ) أَ وَلا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ وَلا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 126 ) وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ ( 127 ) وقوله - عزّ وجل - : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً . قال أهل التأويل « 1 » : قوله : فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً يعني : يقول المنافقون بعضهم لبعض إذا خلوا عن المؤمنين : أيكم زادته هذه إيمانا ؟ استهزاء منهم بها وسخرية ، فأجاب الله تعالى فقال : فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ، أي : شك ونفاق ، فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ أي : تكذيبا وكفرا إلى تكذيبهم الذي كان منهم ؛ لأن أهل النفاق والكفر ليسوا هم بأهل إنصاف يقبلون الحجة والدلالة إذا قامت عليهم ، إنما همتهم العناد والتكذيب ورد الحجج والدلائل ، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد لهم عنادا في التكذيب والرد ، وأما أهل الإيمان فإن همتهم قبول الحجج والإنصاف ، فكلما ازداد لهم الحجج والبراهين ازداد
--> - أقوى تأثيرا في الزجر ، والمنع عن القبيح ، وهذا غير مطرد ، بل يحتاج تارة إلى الرفق واللطف ، وتارة إلى العنف ، ولهذا قال : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً تنبيها على أنه لا يجوز الاقتصار على الغلظة البتة فإنه ينفر ويوجب تفرق القوم ، فقوله : وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً يدل على تقليل الغلظة ، كأنه قيل : لا بد وأن يكونوا بحيث لو فتشوا عن أخلاقكم ، وطبائعكم لوجدوا فيكم غلظة ، وهذا الكلام إنما يصح فيمن أكثر أحواله الرحمة والرأفة ، فلا يخلو عن نوع غلظة . وهذه الغلظة إنما تعتبر فيما يتعلق بالدعوة إلى الدين ، إما بإقامة الحجة ، وإما بالقتال فأما فيما يتعلق بالبيع ، والشراء ، ونحوه فلا . ينظر : اللباب ( 10 / 243 ، 244 ) ، وإتحاف الفضلاء ( 245 ) ، والإعراب للنحاس ( 2 / 46 ) ، والإملاء للعكبري ( 2 / 13 ) ، والبحر المحيط ( 5 / 115 ) ، والتبيان للطوسي ( 5 / 323 ) ، والسبعة لابن مجاهد ( 320 ) ، والكشاف للزمخشري ( 2 / 222 ) . ( 1 ) ذكره السيوطي بمعناه في الدر ( 3 / 523 ) وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة . وكذا البغوي في تفسيره ( 2 / 340 ) .