أبي منصور الماتريدي

51

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

فتنتك أن يكون ذلك امتحانا وابتلاء ابتداء ، أي : تفعله امتحانا وابتلاء لا تعذيبا . ويحتمل أن يكون على الاستفهام ، لكن لم يخرج له الجواب ؛ كقوله : أَ فَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ [ الرعد : 33 ] ، وقوله : وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ [ الأنعام : 21 ] ونحوه مما لم يخرج له جواب ؛ فعلى ذلك هذا . ويجوز أن يكون إهلاكه إياهم محنة بتفريط كان من بعضهم ، وإن كان بعضهم برآء من ذلك على ما كان من أهل المركز من العصيان ، وكان الفشل والهزيمة عليهم محنة منه إياهم ؛ كقوله : إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ . . . الآية [ آل عمران : 152 ] ؛ فعلى ذلك هذا . وقوله - عزّ وجل - : إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ . قال أبو بكر : تضل بها ، أي : تنهى من تشاء [ نهيا ما لولا ذلك النهي لم يكن الفعل فعل الضلال ، وتهدى من تشاء أي تأمره أمرا ما لولا ذلك الأمر لم يكن الفعل ] « 1 » فعل الاهتداء ، لكن حرف « من » إنما يعبر به [ عن ] « 2 » الأشخاص دون الأفعال « 3 » ، فلو كان على ما ذكر هو ، لقال : تضل به ما تشاء ، فإن لم « 4 » يقل ذا ، ثبت أنه ليس على ما ذكر . وتأويله عندنا : أنه يخلق فعل الضلال ممن يعلم أنه يختار ذلك ، ويخلق فعل الهدى ممن يعلم أنه يختار ذلك ، وهو خالق كل شيء . وأصل ذلك : أن جميع ما يضاف إلى الله من طريق الأفعال على اختلاف الإضافة باختلاف وجوهها حقيقة ، ذلك من الله خلق ما أضيف إليه من الوجه الذي يحق وصفه بأنه خالقه ؛ فعلى ذلك قوله : تَهْدِي و تُضِلُّ . ويحتمل : توفق وتخذل . وقوله - عزّ وجل - : أَنْتَ وَلِيُّنا أي : أنت أولى بنا . ويحتمل : أنت ولي هدايتنا . أو : أنت ولي نعمتنا . فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ .

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في ب . ( 3 ) ينظر الكلام على « من » في : المقتضب للمبرد ( 1 / 44 - 4 / 136 ) ، الأصول لابن السراج ( 1 / 409 ) ، وارتشاف الضرب ( 442 ) ، مصابيح المغاني ( 456 ) الجنى الداني ( 319 ) ، الإنصاف ( 371 ) ، الأزهية للهروي ( 224 ) . ( 4 ) في ب : فإذا لم .