أبي منصور الماتريدي
509
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
والثاني : أمر بنفر الكل عند النفير . فيكون إحدى الآيتين في حالة النفير ، والأخرى في غير حال النفير وما ذكرنا في وقت القلة والكثرة . فمن يقول : إن الآية في الذين كانوا يخرجون جميعا مع رسول الله صلى اللّه عليه وسلم إذا خرج ، كأنه نهى عن الخروج جملة مع رسول الله ؛ خوفا على أهاليهم وذراريهم ، لعل العدو سباهم وأخذ أموالهم يقول الله : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ، أي : هلا نفر طائفة منهم فيخبروا الكفار المقيمين بما أنزل الله على رسوله من النصر والمعونة والهزيمة على الكفار الذين قاتلوا رسول الله ، فيكون ذلك سبب دعائهم إلى الإسلام . وإلى هذا ذهب « 1 » الحسن والأصم ويقولون : إن هذه الآية نسخت الآية التي قبلها وهي قوله : ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ [ التوبة : 120 ] . يقول الحسن « 2 » : إن عليهم أن يخرجوا مع رسول الله إذا خرج ، فيقول : هذا منسوخ بالآية التي تليها : وَما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً الآية . ومن يقول بأن الآية في الوفود الذين كانوا يأتون رسول الله المدينة بالنساء والذراري ، فالنهي لذلك لما كانوا يضيقون على أهل المدينة أوطانهم ويغلون أسعارهم ونحوه ؛ يقول : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ، أي : يعلمون الدين وأحكامه ، ثم ليرجعوا إلى قومهم فيعلموهم . ومن يقول : الآية في الذين خرجوا ونفروا مع السرايا ، نهاهم عن خروج الكل ؛ لما لعله لما نزل على رسول الله شيئا ، فلم يكن معه أحد يبلغه إليهم ثم يبلغ إلى من هو غاب عنه ضاع ذلك فيقول : فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ ما نزل على رسول الله ، وليبلغوا ذلك إلى من غاب عنه . مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ . قيل « 3 » : من كل عصبة ، ومن كل قبيلة ، ومن كل حي ، ففي الآية دلالة سقوط فرض
--> ( 1 ) في أ : يذهب . ( 2 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 511 ) ( 17478 ) عن ابن زيد . وذكره البغوي في تفسيره ونسبه له أيضا والسيوطي في الدر ( 3 / 521 ) وعزاه لأبي الشيخ عن السدي . ( 3 ) أخرجه بمعناه ابن جرير ( 6 / 514 ) ( 17485 ) عن ابن عباس وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 521 ) وزاد نسبته لابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في المدخل عن ابن عباس .