أبي منصور الماتريدي
492
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
علم أنه لا يؤمن ، فعلى ما علمنا أنه لا يغفر له لم نستغفر له فلم يجز لنا أن نقول : إنه أراد الإيمان لمن يعلم أنه لا يؤمن أبدا ؛ كما لم يجب أن يغفر لمن وجبت له النار ، فهذا ينقض على المعتزلة قولهم : إن الله قد أراد لكل كافر الإيمان ، لكنه لم يؤمن . ثم قوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ . قال بعض أهل التأويل « 1 » : إن رسول الله قد استغفر لأحد والديه ، وذكر أنه دخل على أبي طالب عمه فدعاه إلى شهادة أن لا إله إلا الله فأبى ، ثم استغفر له وقال : لأستغفرن لك ما لم أنه عنه أو كلام نحو هذا ، فنزل قوله : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى . . . الآية « 2 » . قال الحسن : لا يحتمل أن يكون رسول من رسل « 3 » الله لا يعلم أن الله لا يغفر للكافر ؛ إذ في العقل والحكمة ألا يغفر له والتعذيب له أبدا ، وعندنا في الحكمة تعذيب الكافر أبدا وألا يغفر له لوجوه : أحدها : أن في ذلك تسوية بين العدو ووليه ، ومن سوى بين عدوه ووليه فهو ليس بحكيم ؛ إذ في الحكمة التمييز بينهما . والثاني : أنه إذا عبد غير الله معه إنما يعبد غيره لجهله ، وتلك الجهالة لا ترتفع أبدا ؛ لأنه إذا غفر له فيقع عنده أنه إنما جزى وغفر له لعبادة غير الله . والثالث : [ أنه ] « 4 » لو غفر للكافر لذهبت حكمة الأفعال ؛ لأن الأفعال إنما يؤمر بها لعواقب تتأمل : إما حمدا وإما ذمّا ، فإذا غفر له حمد بأفعال كان الحق له الذم بها ، ففي ذلك خروجها عن الحكمة . وجائز أن يكون رسول الله يستغفر للمنافقين ، قبل أن يتبين له أنهم منافقون ، فلما تبين
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 489 ) ( 17345 ) عن ابن عباس ( 17344 ) عن سليمان ابن بريدة عن أبيه ، ( 17343 ) عن عطية مرسلا . وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 506 - 507 ) وعزاه للطبراني وابن مردويه من طريق عكرمة عن ابن عباس . - ولابن أبي حاتم والحاكم وابن مردويه والبيهقي في الدلائل عن ابن مسعود . - ولابن مردويه عن بريدة . ( 2 ) أخرجه البخاري ( 3 / 263 ) في باب إذا قال المشرك عند الموت لا إله إلا الله ( 1360 ) وأطرافه ( 3884 ، 4675 ، 2772 ، 6681 ) ومسلم في الإيمان ( 1 / 54 ) باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت ( 390 / 24 ) وابن جرير ( 6 / 488 ) ( 17339 ، 17342 ) عن المسيب بن حزن . ( 3 ) في أ : رسول . ( 4 ) سقط في ب .