أبي منصور الماتريدي

473

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - فيكون إثباتا للإجماع بما لا تثبت حجيته إلا به فيصير دورا ، وأجاب شارح التحرير على طريقة أكثر الحنفية بما حاصله أنا لا نسلم أن الآية ليست قطعية ، بل هي قطعية ، واحتمال التخصيص غير قادح ، فإن حكم العام ثبوت الحكم فيما يتناوله قطعا فيتم التمسك بها من غير احتياج إلى الإجماع فلا دور ، وناقشه شارح مسلم الثبوت بأن معنى كون العام قطعيا فيما يتناوله ، وله أنه لا يحتمل خلافه احتمالا ناشئا عن دليل ، وإن كان فيه مطلق احتمال فهو قطعي بالمعنى الأعم ، والإجماع قطعي بمعنى أنه يقطع الاحتمال مطلقا ، فهو قطعي بالمعنى الأخص ، فالعام وإن قلنا بقطعيته لا يصلح أصلا ، ومثبتا للإجماع إذ المستند إلى الشيء لا يكون أعلى حالا منه ، وأجيب ثانيا : سلمنا أن الآية ليست قطعية بل غايتها الظهور ، لكنا لا نسلم أن التمسك بالظاهر ، إنما يثبت بالإجماع ، بل لأن العدول إلى خلافه بلا دليل يحتمله غير معقول . احتجوا منها بأحاديث كثيرة : منها : ما أخرجه أبو داود عن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن الله أجاركم من ثلاث خلال : ألا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا ، وألا يظهر أهل الباطل على أهل الحق ، وألا تجتمعوا على ضلالة » . ومنها : ما رواه أحمد والطبراني عن ابن هانئ الخولاني عمن أخبره عن أبي بصرة الغفاري قال : قال رسول الله صلى اللّه عليه وسلم : « سألت ربي أربعا فأعطاني ثلاثا ومنعني واحدة سألت ربى ألا تجتمع أمتي على ضلالة ، فأعطانيها . . . » الحديث ، قال في ( التقرير ) : قال شيخنا الحافظ : رجاله رجال الصحيح أيضا أخرجه الطبري في تفسير سورة الأنعام . ومنها : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إن الله لا يجمع أمتي - أو قال : أمة محمد - على ضلالة ، ويد الله مع الجماعة ، ومن شذ شذ إلى النار » رواه الترمذي عن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال : غريب من هذا الوجه . ومنها : ما رواه ابن ماجة بلفظ : « إن أمتي لا تجتمع على ضلالة ، فإذا رأيتم الاختلاف فعليكم بالسواد الأعظم » . ومنها : قوله صلى اللّه عليه وسلم : « من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » أخرجه الحاكم في ( مستدركه ) من حديث أبي ذر إلى غير ذلك من الأحاديث التي لا تحصى . ووجه الاستدلال بها أنها ، وإن رويت آحادا لكن القدر المشترك بينها - وهو عصمة هذه الأمة عن الخطأ والضلالة - قد تواتر وحصل العلم به ؛ لما صرحوا به من أن كثرة الآحاد المتفق في معنى ، ولو التزاما ما توجب العلم بالقدر المشترك بينها ، وهذا العلم ضروري لا يحتاج إلى دليل ، بل يعلم تحققه عند الرجوع إلى الوجدان ، وهو المسمى في الاصطلاح بالتواتر المعنوي كشجاعة علي وجود حاتم ، وقد اعترض على هذا الدليل من وجهين : الأول : أنا لا نسلم أن هذه الأحاديث بلغت مبلغ التواتر المعنوي ، فإنه ليس بمستحيل في العرف إقدام عشرين على الكذب في واقعة معينة بعبارات مختلفة . والجواب : أن ما ذكر تشكيك في الضروري فإن كل واحد من هذه الأخبار بانفراده ، وإن جاز تطرق الكذب إليه ، إلا أن كل عاقل يجد من نفسه بعد الاطلاع على جملة هذه الأخبار أن قصد رسول الله صلى اللّه عليه وسلم منها تعظيم هذه الأمة ، وعصمتها عن الخطأ كما علم بالضرورة سخاء حاتم ، وشجاعة علي ، وإقدام عشرين ، أو أكثر من العدول الأخيار من أصحاب رسول الله صلى اللّه عليه وسلم على الكذب في واقعة من الوقائع ، مما لا يكاد يتوهم خصوصا ، وقد تلقت الأمة هذه الأخبار بالقبول ، واحتجت بها في عصر الصحابة والتابعين ، على أنه لو تم ما قلتم لاقتضى إنكار التواتر المعنوي رأسا إذ مثله يرد على كل من ادعى تواتر معناه . -