أبي منصور الماتريدي
467
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وفي قوله : خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ دلالة أن الصدقة إذا وقعت في يد المتولي والعامل عليها سقطت عن أربابها ، وإن لم تقع في أيدي الفقراء ولم تصل إليهم « 1 » ؛ لأن النبي صلى اللّه عليه وسلم كان لا يحل له الصدقة ، ثم أخبر أنه إذا أخذها منهم كانت طهارة لهم وتزكية . وفيه استدلال لمحمد بن الحسن في الوقف « 2 » ؛ أن الوقف إذا وقف وأخرجه من يده وجعله في يد آخر ممن لا حق له في ذلك كان جائزا ، وكان « 3 » وقفا صحيحا « 4 » .
--> ( 1 ) وإذا تلف من مال الزكاة شيء في يد الإمام أو الساعي ضمنه إن كان ذلك بتفريط منه بأن قصر في حفظه ، وكذا لو عرف المستحقين وأمكنه التفريق عليهم فلم يفعل حتى تلفت ؛ لأنه متعد بذلك ، فإن لم يتعد ولم يفرط لم يضمن . قال النووي : ينبغي للإمام والساعي وكل من يفوض إليه أمر تفريق الصدقات أن يعتني بضبط المستحقين ، ومعرفة أعدادهم ، وأقدار حاجاتهم ، بحيث يقع الفراغ من جمع الصدقات بعد معرفتهم أو معها ، ليعجل حقوقهم ، وليأمن هلاك المال عنده . ينظر : المجموع ( 2 / 175 ) ، والشرح الكبير والدسوقي ( 1 / 495 ) ، وروضة الطالبين ( 2 / 337 ) . ( 2 ) فهو لغة : الحبس ، مصدر وقفت أقف : حبست . قال عنترة : ووقفت فيها ناقتي فكأنها * فدن لأقضي حاجة المتلوم ومنه الموقف ؛ لأن الناس يوقفون أي يحبسون للحساب ، وهو أحد ما جاء على ( فعلته ففعل ) ، يأتي لازما ومتعديا ، ويجتمعان في قول القائل : وقفت زيدا ، أو الحمار فوقف ، وأما أوقفته بالهمز ، فلغة رديئة . وقال أبو الفتح بن جني : أخبرني أبو علي الفارسي عن أبي بكر عن أبي العباس عن أبي عثمان المازني قال : يقال : وقفت داري وأرضي ، ولا يعرف ( أوقفت ) في كلام العرب . وقال الجوهري : وليس في الكلام أوقفت إلا حرفا واحدا ، أوقفت على الأمر الذي كنت عليه ، ثم اشتهر المصدر أي الوقف في الموقوف ، فقيل : هذه الدار وقف ، أي موقوف ، كنسج اليمن بمعنى منسوج اليمن ، ولذا جمع على أفعال فقيل : ( وقف وأوقاف ) ، كوقت وأوقات . انظر : تحرير التنبيه ( 259 ) المغرب ( 491 ) . واصطلاحا : عرفه الحنفية بأنه : حبس العين على حكم ملك الله تعالى والتصدق بالمنفعة . عرفه الشافعية بأنه : حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود . عرفه المالكية بأنه : جعل منفعة مملوك ولو بأجره أو غلته لمستحقه بصيغة مدة ما يراه المحبس . عرفه الحنابلة بأنه : تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف وغيره في رقبته بصرف ريعه إلى جهة بر ، وتسبيل المنفعة تقربا إلى الله تعالى . انظر : الهداية ( 3 / 13 ) ، ومجمع الأنهر ( 1 / 731 ) ، ومغني المحتاج ( 2 / 376 ) ، والشرح الصغير ( 5 / 373 ) ، وكشاف القناع ( 4 / 240 ) ، الإقناع ( 2 / 81 ) ، نهاية المحتاج ( 5 / 358 ) . ( 3 ) في ب : ويكون . ( 4 ) ينظر بدائع الصنائع ( 6 / 219 ) .