أبي منصور الماتريدي

459

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

لما برحمته يدخلون ، لا استيجابا لهم منه بذلك ، بل رحمة منه وفضلا . إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ : لما كان منهم من المساوئ والشرك إذا تابوا وآمنوا ، رَحِيمٌ : حيث لم يؤاخذهم بذلك . قوله تعالى : [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 100 ] وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 100 ) وقوله - عزّ وجل - : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ . يحتمل هذا أن يكون مربوطا معطوفا على قوله : سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ مع السابقين الأولين ، أي : أولئك الذين آمنوا من بعد أولئك المهاجرين والأنصار يدخلهم في الجنة مع السابقين الأولين . ويحتمل أن يكون على الابتداء ، لا على العطف على الأول ، ثم اختلف فيه : قال بعضهم : السابقون الأولون في الإسلام والنصرة . وقال بعضهم : الأولون في الهجرة والنصرة . وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ [ أي والذين اتبعوا أولئك في الإسلام ] « 1 » على تأويل من جعل السابقة في الإسلام ، وعلى تأويل من جعل على الهجرة اتبعوهم بإحسان فريقين : المهاجرين والأنصار ، ولا يجعل طبقة ثالثة ، وأمّا قراءة العامة من القراء فهي على إثبات الواو « 2 » ، وجعل طبقة ثالثة . ثم منهم من قال من أهل التأويل « 3 » : السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار :

--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) وكان عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يرى أن الواو ساقطة من قوله : وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ [ التوبة : 100 ] ويقول : إن الموصول صفة لمن قبله ، حتى قال له زيد بن ثابت : إنها بالواو ، فقال : ائتوني بأبي ، فأتوه به ، فقال له : تصديق ذلك في كتاب الله في أول الجمعة وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ [ الجمعة : 3 ] ، وأوسط الحشر وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ [ الحشر : 10 ] ، وآخر الأنفال وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا [ الأنفال : 75 ] . وروي أنه سمع رجلا يقرؤها بالواو ، فقال : من أقرأك ؟ فقال : أبي فدعاه ، فقال : أقرأنيه رسول الله صلى اللّه عليه وسلم وإنك لتبيع القرظ بالبقيع ، قال : صدقت ، وإن شئت قل : شهدنا وغبتم ، ونصرنا وخذلتم ، وآوينا وطردتم ، ومن ثم قال عمر : لقد كنت أرانا رفعنا رفعة ، لا يبلغها أحد بعدنا . ينظر : تفسير الطبري ( 6 / 455 ) ، والدر المنثور ( 3 / 483 ) ، واللباب ( 10 / 185 ) . ( 3 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 453 - 454 ) ( 17114 - 17121 ) عن الشعبي وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 484 ) وعزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه وأبي الشيخ وأبي نعيم في المعرفة عن الشعبي .