أبي منصور الماتريدي
445
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
وقال : لعن الله المعذّرين ؛ كأنه ذهب إلى أن المعذر هو الذي له عذر ، والمعذّر بالتشديد : الذي لا عذر له ؛ لذلك لعن المعذّر . قال أبو معاذ : وأكثر كلام العرب المعذر الذي له عذر ، وهو قولهم : قد أعذر من أنذر . وقال أبو عوسجة : - المعذر بالتشديد - : الذي لا يناصح ، إنما يريد أن يعذر ، ويقال : عذرت في الأمر : إذا لم تبالغ فيه ، وأعذرت في الأمر ، أي : بالغت فيه . وقال القتبي : المعذرون - بالتشديد - : هم الذين لا يجدون [ ما ينفقون ] ، إنما يعرضون ما لا يريدون أن يفعلوه ؛ يقال : عذرت في الأمر : إذا قصرت ، وأعذرت : جددت . ثم قال بعض أهل التأويل : دل هذا على أن أهل النفاق كانوا صنفين : صنف كانوا يستأذنون [ في ] القعود ، وصنف لا يستأذنون ، ولكن يقعدون بقوله : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ . دلّ قوله : الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ على أن من أهل النفاق من قد آمن ، وأن من تاب يقبل ذلك منه ؛ لأنه قال : سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا ولم يقل : سيصيبهم عذاب أليم . وقال بعضهم : المعذرون - بالتخفيف - : هم المؤمنون الذين لهم عذر في التخلف ، أتوا رسول الله لينظر في أمرهم الأوفق : إن كان الخروج لهم أوفق يخرجون ، وإن كان القعود أوفق يقعدون ؛ يدل على ذلك الآية التي تتلو هذه وهي قوله - عزّ وجل - : لَيْسَ
--> - والثاني : أن يكون وزنه ( افتعل ) والأصل : ( اعتذر ) ، فأدغمت التاء في الذال بأن قلبت تاء الافتعال ذالا ، ونقلت حركتها إلى الساكن قبلها ، وهو العين ، ويدل على هذا قراءة سعيد بن جبير : ( المعتذرون ) على الأصل ، وإليه ذهب الأخفش ، والفراء وأبو عبيد ، وأبو حاتم ، والزجاج ، وابن الأنباري ، والاعتذار قد يكون بالكذب ، كما في قوله : يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ [ التوبة : 94 ] ، وكان ذلك الاعتذار فاسدا ، لقوله : لا تَعْتَذِرُوا [ التوبة : 94 ] ، وقد يكون بالصدق ، كقول لبيد : ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر يريد : فقد جاء بعذر . ينظر : اللباب ( 10 / 168 ) ، وإتحاف الفضلاء ( 244 ) ، والإعراب للنحاس ( 2 / 34 ) ، والبحر المحيط ( 5 / 83 - 84 ) ، والتبيان للطوسي ( 5 / 277 ) ، وتفسير الطبري ( 10 / 144 ) ، وتفسير القرطبي ( 8 / 224 ) ، والحجة لأبي زرعة ( 321 ) ، والكشاف ( 2 / 207 ) ، والمجمع للطبرسي ( 5 / 58 ) ، والمعاني للأخفش ( 2 / 335 ) ، والمعاني للفراء ( 1 / 448 ) ، وتفسير الرازي ( 16 / 159 ) ، والنشر لابن الجزري ( 2 / 280 ) .