أبي منصور الماتريدي
439
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
الله ، لكن المؤمنين لا يمتنعون عن الخروج في سبيل الله ؛ إذ قالوا لهم مطلقا : « لا تنفروا » ، وهو كقوله : الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ [ آل عمران : 173 ] ، كانوا يجبنون المؤمنين عن الخروج إلى الغزو ، وكانوا يحتالون في منعهم المؤمنين عن الخروج في سبيل الله ، ولو أطلقوا القول في المنع وصرحوه لفهم المؤمنون ذلك ، ولظهر نفاقهم . وجائز أن يكون قولهم : لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قالوا ذلك لأتباعهم ، لا للمؤمنين ؛ كقوله : وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى [ آل عمران : 156 ] . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ [ أي : لو كانوا يفقهون ] « 1 » ما أنزل على رسول الله لعلموا أن نار جهنم أشد حرّا من حر الدنيا . أو لو كانوا يفقهون أنهم لم يخلقوا في الدنيا للدنيا خاصّة ، ولكن خلقهم [ فيها ] « 2 » ليمتحنهم ؛ لعلموا أن الموعود في الآخرة أشد مما امتحنوا في الدنيا ، والله أعلم . وقوله - عزّ وجل - : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيراً . يشبه أن يكون الضحك كناية عن الفرح والسرور ، والبكاء كناية عن الحزن ؛ يقول : افرحوا وسروا قليلا ، وتحزنون في الآخرة طويلا كثيرا . ويمكن « 3 » أن يكون على حقيقة الضحك ؛ لأنهم كانوا يضحكون ويستهزءون بالمؤمنين في الدنيا ؛ يقول : ضحكوا قليلا ؛ لأن الدنيا قليلة تنقطع ، ويبكون كثيرا في الآخرة ؛ لأنها لا تنقطع جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . وقوله - عزّ وجل - : فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ . [ دل ] « 4 » قوله : رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ ، أي : ليس كل من تخلف عنه في ذلك فهو منافق ، ولا كل المنافقين امتنعوا وتخلفوا عنه . وقوله - عزّ وجل - : فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا . لأنه أخبر أن خروجهم معهم لا يزيدهم إلا خبالا وفسادا ، فيقول : لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ، أي : عوقبوا بالقعود أول مرة لنفاقهم . وقوله : فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً ، أي : لن آذن لكم أن تخرجوا معي أبدا ، ولن آذن
--> ( 1 ) سقط في أ . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في ب : أو أمكن . ( 4 ) سقط في أ .