أبي منصور الماتريدي
433
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
إنه كان منافقا وقتئذ . ويحتمل وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ أي : من الشاكرين . وكذلك ذكر في الخبر أن ثعلبة لما سأل رسول الله صلى اللّه عليه وسلم أن يسأل الله له مالا فقال : قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تؤدي حقه . أو كلام نحو هذا . وقوله : فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ . يحتمل : تولوا عن وفاء ما وعدوا ، أو تولوا عن طاعة الله ، وَهُمْ مُعْرِضُونَ : أيضا عن طاعة الله ، أو معرضون عما وعدوا وعاهدوا أن يوفوا . وقوله : فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ : قال بعضهم أثابهم نفاقا بما بخلوا به إلى يوم القيامة . وقال بعضهم : أعقبهم الدوام على النفاق بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَبِما كانُوا يَكْذِبُونَ [ التوبة : 77 ] . ينبغي للمسلم أن يجتنب الكذب والخلف في الوعد ؛ فإنه سبب النفاق أو نوع من النفاق ، [ و ] « 1 » على ذلك روي في الخبر : « أن اجتنبوا الكذب ؛ فإنه باب من النفاق ، وعليكم بالصدق ؛ فإنه باب من الإيمان » ، وفي بعضها عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « أربع من كن فيه كان منافقا : من إذا حدث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » ، وفي بعضها : « وإذا اؤتمن خان » . فإن قيل : إن أولاد يعقوب اؤتمنوا فخانوا ، وحدثوا فكذبوا بقولهم : يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ [ يوسف : 14 ] ، ووعدوا فأخلفوا ، فترى أنهم نافقوا ؟ « 2 » قيل : ما روي أن من إذا حدث كذب هو الكذب في أمر الدين ، وأما الكذب في غير أمر الدين فإنه لا يوجب النفاق . وفي الآية دلالة ألا ينص بالسؤال في شيء على غير الخبر في ذلك من الله ؛ ألا ترى أن ثعلبة لما ألح على الرسول صلى اللّه عليه وسلم بالسؤال أن يسأل ربه ليرزقه مالا ففعل ، فأعقبه الله نفاقا إلى يوم القيامة ؟ ! ولأن أولاد يعقوب قد قدموا التوبة والإصلاح قبل صنيعهم الذي صنعوا على خوف منهم بما فعلوا والمنافقين ، وأصله : أن اعتقاد الكذب ، واستحلال الخلاف لما عهد ، والخلف في الوعد - هو الموجب للنفاق ، فأما ترك الوفاء على غير استحلال منه فلا يوجب ما ذكر ، والله أعلم .
--> ( 1 ) سقط في الأصول . ( 2 ) ورد في هذا المعنى أثر عن عطاء بن أبي رباح رواه عنه محمد المحرم أخرجه الطبري ( 17014 ) .