أبي منصور الماتريدي
429
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
ويحتمل - أيضا - : الأمر بالمجاهدة الكفار ، يجاهدهم بالسيف ، ويغلظ القول ويشدده على المنافقين ، ويقيم عليهم الحدود . فإن كان على مجاهدة الفريقين جميعا بالسيف ، فهو - والله أعلم - في المنافقين الذين انفصلوا من المؤمنين ، وخرجوا من بين أظهرهم ، وأظهروا الخلاف للمؤمنين بعد ما أظهروا الموافقة لهم ، فأمثال هؤلاء يجاهدون بالسيف ويقاتلون به ، وهو كقوله : لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ [ الأحزاب : 60 ] إلى قوله : مَلْعُونِينَ [ الأحزاب : 61 ] الآية ، أخبر أنهم يؤخذون ويقتلون أينما وجدوا ، فيشبه أن تكون الآية في الأمر بالجهاد في هؤلاء المنافقين . ويحتمل وجها آخر : وهو أن المنافقين كانوا يطعنون في رسول الله ويعيبون عليه ، فأطلع الله رسوله على ذلك ، وهم قد علموا أن الله أطلعه على ما يطعنون فيه ويذكرونه بسوء ، فيقول - والله أعلم - : جاهدهم إذا طعنوا فيك وذكروك بسوء بعد ذلك . وإن كان الأمر على المجاهدة مجاهدة بالحجج ، فهو صلى اللّه عليه وسلم قد حاج الفريقين جميعا بالحجج ، وخاصة سورة براءة إنما أنزلت في محاجة المنافقين . ويحتمل الأمر بالجهاد في الكفار خاصّة ، وفي المنافقين تغليظ القول والتشديد ، وإقامة الحدود التي ذكرنا ، والتعزير « 1 » إذا ارتكبوا شيئا مما يجب فيه الحد أو التعزير - والله أعلم بذلك - لما أقاموا بين أظهر المؤمنين مظهرين لهم الموافقة . [ وقوله : وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ هذا في المنافقين الذين ماتوا على النفاق . ] « 2 » . وقوله - عزّ وجل - : يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا وَلَقَدْ قالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ .
--> - الكتاب : قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ . . . الآية [ التوبة : 29 ] ؛ وسيف للمنافقين : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [ التوبة : 73 ] وسيف للبغاة : فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي . . . الآية [ الحجرات : 9 ] الآية ، وهذا يقتضي أنهم يجاهدون بالسيوف إذا أظهروا النفاق ، وهو اختيار ابن جرير . انتهى . ينظر : محاسن التأويل ( 8 / 262 ، 263 ) ، وأحكام القرآن ( ص 966 ) . ( 1 ) أصله من العزر وهو في اللغة بمعنى الرد والمنع ؛ وذلك لأنه يمنع من معاودة القبيح ، ويطلق أيضا على التفخيم والتعظيم ، ومنه قوله تعالى : وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [ الفتح : 9 ] ، فهو من الأضداد . وشرعا : تأديب دون الحد ، فالتعزير في بعض إطلاقاته اللغوية حد . وأما في الشرع فليس بحد ؛ لأنه ليس بمقدر . ينظر : المصباح المنير ومختار الصحاح مادة ( عزر ) ، وابن عابدين ( 3 / 177 ) ، والطحاوي ( 2 / 410 ) ، والاختيار ( 4 / 79 ) ، وشرح الزرقاني ( 8 / 115 ) . ( 2 ) سقط في أ .