أبي منصور الماتريدي

413

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

إن كانت مسألتك في إحدى ثلاث فقد وجب حقك : في فقر مدقع ، أو غرم مفظع ، أو دم موجع « 1 » . هذه الأخبار كلها تدل على أن الغارم موضع للصدقة ، قل دينه أو كثر . فإن قيل : في الخبر : « أو غرم مفظع » ، قيل : لا خلاف بينهم في أن من دينه غير مفظع فله أن يأخذ بقدر دينه من الصدقة ، فهذا يدل أن الذي روي في الخبر إنما هو لكراهة المسألة ، لا على التحريم ، وهكذا نقول : إن المسألة لا تحل له إذا كان غرمه « 2 » غير مفظع ، ولكن يحل وضعه عنه وأخذه له . مسألة : قوله : وَابْنِ السَّبِيلِ هو ما ذكرنا أنه « 3 » المنقطع من ماله ، جعله الله موضعا للصدقة ، وإن « 4 » كان غنيّا في مقامه للحاجة التي بدت له ؛ وعلى ذلك روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله ، أو ابن السبيل ، أو رجل له جار مسكين تصدق عليه فأهدى له » « 5 » . وفي بعض الأخبار عنه ما ذكرنا قال : « لا تحل الصدقة إلا لخمس ، وفيه : أو [ فقير ] « 6 » تصدق عليه فأهداها لغني » . وقد يكون الرجل غنيّا بأن يكون له دار يسكنها ، ومتاع يتهيأه ، وثياب وعزم على الخروج في سفر غزو احتاج من آلات سفره ، وسلاح يستعمله في غزوه ، ومركب يغزو عليه ، وخادم يستغني بخدمته إلى ما لم يكن محتاجا إليه في حال إقامته ، فيجوز أن يعطى من الصدقة ما يستغني به في حوائجه التي يحدثها لسفره ، فهو في مقامه غني بما يملكه ؛ لأنه غير محتاج حينئذ إلى ما وصفنا ، وهو في حال سفره غير غني ، فيحتمل أن يكون معنى قوله : « لا تحل الصدقة لغني إلا في سبيل الله » على من كان غنيّا في حال مقامه ، فيعطى بعض ما يحتاج إليه لسفره ؛ لما أحدث له السفر من الحاجة . ألا ترى أن الرجل قد يكون له المتاع لا يحتاج إليه ، والدابة لا يركبها ، فإذا صار ذلك مائتي درهم لم يجز له أن يأخذ من الزكاة ، فإن عرض له مرض أو سفر فاحتاج إلى دابة

--> ( 1 ) أخرجه ابن أبي شيبة ( 2 / 426 ) ( 10864 ) . ( 2 ) في أ : غرما . ( 3 ) في أ : أن . ( 4 ) في أ : فإن . ( 5 ) أخرجه أبو داود ( 1 / 514 - 515 ) كتاب الزكاة باب من يجوز له أخذ الصدقة وهو غني ( 1637 ) ، وابن أبي شيبة في مصنفه ( 2 / 426 ) ( 10681 ) . ( 6 ) سقط في أ .