أبي منصور الماتريدي

406

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

الإسلام ، وعز الدين ، وصار أولئك إذ لا يحمد الله ، فقد ارتفع ذلك وذهب ؛ إذ قوي المسلمون وكثروا ، فيقاتلون حتى يسلموا ، وعلى ذلك جاء الخبر عن أبي بكر وعمر - رضي الله عنهما - فدل على ما ذكرنا . روي أن الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن « 1 » جاءا إلى أبي بكر - رضي الله عنه - فقالا : يا خليفة رسول الله ، إن عندنا أرضا سبخة « 2 » ، ليس فيها كلأ ولا منفعة ، فإن رأيت [ أن ] « 3 » تقطعناها ، فأقطعنا إياها ، وكتب لهما عليها كتابا ، وأشهد عمر - رضي الله عنه - وليس في القوم « 4 » ، فانطلقا إلى عمر ليشهداه ، فلما سمع عمر ما في الكتاب ، فتناوله من أيديهما ، ثم نظر فيه ، فمحاه ، فتذمرا وقالا له مقالة سيئة ، فقال : إن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل ، وإن الله - تعالى - قد أعز الإسلام ، اذهبا فاجهدا جهدكما ، لا أرعى الله عليكما إن رعيتما « 5 » . ونحن نذهب إلى هذا الحديث ؛ لأن أبا بكر لم ينكر على عمر قوله وفعله ، فصار ذلك وفاقا منه له ، فكفى بقولهما حجة لنا . ولنا في ذلك وجهان من الحجج : أحدهما : أن النبي - عليه السلام - كان يعاهد قوما وهو إلى مداراتهم ومعاهدتهم محتاج ؛ لما ذكرنا من قلة أهل الإسلام وضعفهم ، فلما أعز الله الإسلام وأكثر أهله ردّ إلى أهل العهود عهودهم ، ثم أمر بمحاربتهم جميعا . والثاني : ما قال الله - تعالى - : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ الأنفال : 67 ] فكانت الحال الثانية التي عز فيها الإسلام وقوي أهله وعزوا

--> ( 1 ) عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية ، بالجيم ، مصغرا ، ابن لوذان بن ثعلبة بن عدي ابن فزارة الفزاري ، أبو مالك . يقال : كان اسمه حذيفة فلقب عيينة ؛ لأنه كان أصابته شجة فجحظت عيناه . قال ابن السكن : له صحبة ، وكان من المؤلفة ، ولم يصح له رواية . أسلم قبل الفتح ، وشهدها ، وشهد حنينا ، والطائف ، وبعثه النبي صلى اللّه عليه وسلم لبني تميم فسبى بعض بني العنبر ، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر ، ومال إلى طلحة فبايعه ، ثم عاد إلى الإسلام . ينظر : أسد الغابة ت ( 4166 ) ، والاستيعاب ت ( 2078 ) ، والإصابة ( 4 / 638 ، 639 ) . ( 2 ) أرض ذات ملح ونزّلا تكاد تنبت كما في المعجم الوسيط ( 1 / 413 ) ( سبخ ) . ( 3 ) سقط في أ . ( 4 ) في أ : قوم . ( 5 ) أخرجه البيهقي في الكبرى ( 7 / 20 ) كتاب الصدقات باب سقوط سهم المؤلفة قلوبهم . . . عن عبيدة السلماني ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 451 ) وعزاه لابن أبي حاتم عن عبيدة السلماني .