أبي منصور الماتريدي

394

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

--> - أن الفقير لزمانته مع حاجته الشديدة وتمنعه الزمانة من التقلب في الكسب ، ومعلوم أنه لا حالة في البؤس آكد من هذه الحال . وأنشدوا قول الشاعر لبيد : لما رأى لبد النسور تطايرت * رفع القوادم كالفقير الأعزل أي لم يطق الطيران ، فصار بمنزلة من انقطع صلبه ولصق بالأرض ، وقال ابن الأعرابي في هذا البيت : الفقير : المكسور الفقار ، يضرب مثلا لكل ضعيف لا يتقلب في الأمور . ومما يدل على إشعار لفظ الفقير بالشدة العظيمة قوله تعالى : وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ . تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ [ القيامة : 24 ، 25 ] ، جعل لفظ الفاقرة كناية عن أعظم أنواع الشر والدواهي . الوجه الثالث : ما روي أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يتعوذ من الفقر ، وقال : كاد الفقر أن يكون كفرا ، ثم قال : اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين ، فلو كان أسوأ حالا من الفقير لتناقض الخبران ؛ لأنه تعوذ من الفقر ثم سأل حالا أسوأ منه ، أما إذا قلنا : الفقر أشد من المسكنة فلا تناقض البتة . قال البيهقي : قال أصحابنا : قد استعاذ النبي صلى اللّه عليه وسلم من الفقر وسأل المسكنة وقد كان له صلى اللّه عليه وسلم بعض الكفاية ، فدل على أن المسكين من له بعض الكفاية ، قال البيهقي : وقد روي في حديث عن أنس - رضي الله عنه - أن النبي صلى اللّه عليه وسلم استعاذ من المسكنة والفقر ؛ فلا يجوز أن يكون استعاذ من الحال التي شرفها في أخبار كثيرة ولا من الحال التي سأل صلى اللّه عليه وسلم أن يحيا ويمات عليها ، قال : ولا يجوز أن تكون مسألته مخالفة لما مات عليه صلى اللّه عليه وسلم فقد مات مكفيّا بما أفاء الله تعالى عليه ، قال : ووجه هذه الأحاديث عندي أنه استعاذ من فتنة الفقر والمسكنة اللذين يرجع معناهما إلى القلة ، كما استعاذ من فتنة الغنى ، فقد روت عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم كان يقول : « اللهم إني أعوذ بك من فتنة النار وفتنة الفقر وعذاب القبر وشر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر ، اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الدجال » رواه البخاري ، ومسلم ، وفيه دليل على أنه صلى اللّه عليه وسلم إنما استعاذ من شر فتنة الفقر دون حال الفقر ومن فتنة الغنى دون حال الغنى . وأما قوله صلى اللّه عليه وسلم إن كان قال : « أحيني مسكينا » فإن صح طريقه وفيه نظر ، فالذي يدل عليه حاله عند وفاته صلى اللّه عليه وسلم أنه لم يسأل مسكنة يرجع معناها إلى القلة بل مسكنة معناها الإخبات والتواضع وألا يكون من الجبابرة المتكبرين ، وألا يحشر في زمرة الأغنياء المترفين . الوجه الرابع : أن كونه فقيرا لا ينافي كونه مسكينا مالكا للمال ، بدليل قوله تعالى : أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ [ الكهف : 79 ] . وجه الدلالة : أنه وصف بالمسكنة من له سفينة من سفن البحر تساوي جملة من الدنانير ، ولم نجد في كتاب الله ما يدل على أن الإنسان سمى فقيرا مع أنه يملك شيئا . فإن قالوا : الدليل قوله تعالى : وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ [ محمد : 38 ] ، فوصف الكل بالفقر مع أنهم يملكون أشياء . قلنا : هذا بالضد أولى ؛ لأنه تعالى وصفهم بكونهم فقراء بالنسبة إلى الله تعالى ، فإن أحدا سوى الله لا يملك البتة شيئا بالنسبة إلى الله تعالى . الوجه الخامس : قال ابن عباس - رضي الله عنه - : الفقير هو المحتاج الذي لا يجد شيئا قال : وهم أهل الصفة -