أبي منصور الماتريدي
389
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ . . . [ الأحزاب : 19 ] الآية . أو التعذيب في الدنيا هو القتل ؛ يقتلون إن لم يخرجوا . وفي الآية دلالة الرد على المعتزلة ؛ لأنهم يقولون : لا يعطي الله أحدا شيئا إلا ما هو أصلح له في الدين ، ثم قال لرسول الله : فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ ، ولو كان لم يعطهم الأموال والأولاد إلا للخيرات والصلاح ، فكأنه قال : لا يعجبك ما أعطيتهم من الخيرات والصلاح ، فذلك بعيد ؛ فدل أنه قد يعطي خلقه ما ليس بأصلح لهم في الدين . وكذلك في قوله : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ . . . [ المؤمنون : 55 - 56 ] الآية ، دلالة الرد على قولهم ؛ لأنه قال : أَ يَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ [ المؤمنون : 55 - 56 ] ، ثم قال : بَلْ لا يَشْعُرُونَ [ المؤمنون : 56 ] أنه يمدهم به لا للخيرات ؛ دل أنه قد يعطي خلقه ما ليس هو أصلح لهم في الدين . وفي قوله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا دلالة الرد عليهم أيضا ؛ لأنه أخبر أنه يعذبهم في الدنيا والآخرة ، ولا يعذبهم مجانا فيما لا فعل لهم في ذلك ؛ دل أن لهم صنعا في ذلك ، وأنه إنما يعذبهم بفعل اكتسبوه . وفي قوله : إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها دلالة أن ليس كل ما يعطيهم إنما يعطيهم ليرحمهم به ، ولكن يعطيهم لما علم منهم ، فإن كان علم منهم أنهم يستعملون ما أعطاهم من الأموال وغيرها فيما فيه هلاكهم ، أعطاهم لذلك ، ومن علم منهم أنهم يستعملونه لنجاتهم أعطاهم ليرحمهم به ، فإنما أعطي كلّا ما علم أنه يكون منهم ؛ لأنه لو أعطاهم على غير ما علم منهم يكون في إعطائه مخطئا . وقوله - عزّ وجل - : وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ . قيل « 1 » : تخرج أنفسهم وتهلك خوفا . قال أبو عوسجة : يقال : خرج نفسه من فمه . وقيل « 2 » : تذهب أنفسهم ؛ كقوله : وَزَهَقَ الْباطِلُ [ الإسراء : 81 ] ، أي : ذهب . وكذلك قال أبو عبيد : تزهق ، أي : تذهب .
--> ( 1 ) ذكره السيوطي في الدر ( 3 / 447 ) وعزاه لابن أبي حاتم وأبي الشيخ عن الضحاك ، والبغوي في تفسيره ( 2 / 301 ) . ( 2 ) ذكره ابن جرير ( 6 / 391 ) ولم ينسبه لأحد .