أبي منصور الماتريدي
387
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
تَرَبَّصُونَ بِنا الشر إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ العذاب بكم ، هم كانوا لا يتربصون بنا إلا الدوائر والهلاك ، وهو ما ذكر في آية أخرى حيث قال : وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [ التوبة : 98 ] هم كانوا لا يتربصون بنا الحسنى ، ولكن ما ذكرنا من الدوائر ، لكن ذلك وإن كان عند أولئك المنافقين هلاك ودائرة ، فهو للمؤمنين الحسنى في الآخرة . وقوله - عزّ وجل - : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ . قال بعضهم : الآية في الجهاد ، أن « 1 » المنافقين كانوا يؤمرون بالجهاد والقتال مع الكفرة على [ ما ] « 2 » أمر أهل الإيمان بذلك ، ثم منهم من كان يخرج « 3 » للجهاد ، ومنهم من كان يجهز غيره ويقعد ، ومنهم من كان يخرج كارها ، ونحوه ، فنزل قوله : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً ، أي : خوفا ، لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ . ومنهم من قال : الآية في الزكاة ؛ أن الله - عزّ وجل - فرض الزكاة في أموال المؤمنين ، والمنافقون قد أظهروا الإيمان ، وكانوا ينفقون ، ويؤدون الزكاة ، لكن منهم من كان يؤدي طوعا ، ومنهم من يؤدي كرها ، فقال : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ ؛ لأنهم كانوا لا يرون الزكاة قربة ، وكانوا ينفقون وهم كارهون في الباطن . ألا ترى أنه قال : وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ ؛ دل أنهم كانوا ينفقون جميعا وهم كارهون لذلك في الباطن ، ثم بين ما به لم يتقبل نفقاتهم ، وهو ما ذكر : إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ . وقال : وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ في الآية وجهان : أحدهما : دلالة إثبات رسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم ؛ لأنه أخبر أنهم لا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى ، وهم في الظاهر كانوا يأتون الصلاة على ما كان يأتي المؤمنون ، ثم أخبر أنهم يأتونها كسالى ؛ دل أنه إنما عرف ذلك بالله ، تعالى . وكذلك أخبر أنهم ينفقون وهم كارهون لذلك ، وكانوا ينفقون في الظاهر مراءاة لموافقيهم ، ثم أخبر أنهم كانوا كارهين « 4 » لذلك في السر ؛ دل أنه إنما علم ذلك بالله
--> ( 1 ) في أ : دون . ( 2 ) سقط في أ . ( 3 ) في أ : مخرج . ( 4 ) لأنهم يرون الإنفاق في سبيل الله مغرما ، وتركه مغنما . وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم : « إن الله تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا ، وابتغي به وجهه » ، رواه النسائي عن أبي أمامة . وقال تعالى : إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ . ينظر : تفسير القاسمي ( 8 / 236 ) .