أبي منصور الماتريدي
384
تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )
أمرتني بالخروج ولم تأذن بالقعود والتخلف فقعدت وتخلفت ، كنت عاصيا ، تاركا لأمرك ، فكنت أنت سبب عصياني وفتنتي . والثاني : قوله : وَلا تَفْتِنِّي ، أي : لا تأمرني المشقة والشدة ، ولكن الدعة والسعة والرخاء حيث كانوا مالوا إليهم ؛ كقوله : وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ . . . الآية [ الحج : 11 ] ، يقول : لا تكن سبب إثمي وانقلابي . ومنهم من قال : إن رجلا منهم يقال له : الجدّ بن قيس قال : إني إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن ، ولكن أعينك بمال ، ففيه نزل قوله : قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ [ التوبة : 53 ] ، وهو قول ابن عباس « 1 » ؛ يقول : لا تأمرني بالخروج ؛ فإني مولع بالنساء ، لا أصبر إذا رأيتهن . ولا ندري كيف كانت القصة ، لكن الوجوه فيه ما ذكرنا آنفا . وقوله : وَلا تَفْتِنِّي ، أي : ولا تمتحني بالمحنة التي فيها الهلاك والمشقة ، فقال : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي : ألا في [ المشقة والفتنة والبلاء والهلاك سقطوا ؛ وهذا يدل أن أهل النفاق هم كفرة . وقوله : أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا أي : ألا في ] « 2 » الشر والإثم سقطوا ؛ على تأويل من تأول قوله : وَلا تَفْتِنِّي : لا تؤثمني ، ولا تخرجني . وعلى تأويل من قال : وَلا تَفْتِنِّي : لا تشق على ، ولا تأمرني بالمشقة والشدة والضيق ، يقول : ألا في الشدة والضيق يسقطون . وقوله - عزّ وجل - : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ . أي : تحيط بهم حتى لا يجدوا منقذا ولا مخلصا . أو تحيط بهم من تحت ومن فوق ، وأمام وخلف ، ويمين وشمال ، تحيط بهم حتى تصيب كل جارحة منهم ؛ كقوله : لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ . . . الآية [ الزمر : 16 ] ، أخبر أنها تحيط بهم . وفيه دلالة : أن المنافقين هم كفار ؛ لأنه ذكر في أول الآية صفة المنافقين ، ثم أخبر أن جهنم تحيط بالكافرين .
--> ( 1 ) أخرجه ابن جرير ( 6 / 387 ) ( 16802 ) ، وذكره السيوطي في الدر ( 3 / 443 ) وعزاه لابن المنذر والطبراني وابن مردويه وأبي نعيم في المعرفة عن ابن عباس . ( 2 ) سقط في أ .